"كومبي صالح" . . المدينة الأثرية "الميتة"


"كومبي صالح" . . المدينة الأثرية "الميتة"

14 كانون الأول (ديسمبر) 2015

تقع مدينة كومبي صالح الأثرية على بعد 60 كلم من مدينة تمبدغة، في المنطقة الشرقية من موريتانيا (ولاية الحوض الشرقي) على بعد أكثر من 960 كلم جنوب شرقي العاصمة نواكشوط، وتعتبر من أقدم المدن الأثرية في المنطقة، وكانت العاصمة السياسية لدولة غانا .

يعود تاريخ هذه المدينة بحسب المراجع إلى القرن الثالث الميلادي عندما سيطرت قبائل المانديه الوثنية على طرق القوافل التجارية بين كومبي صالح، ومدينة أوداغست (موريتانية)، وتيمبكتو (عاصمة شمال مالي حالياً) .

آذنت سيطرة قبائل المانديه الوثنية على كومبي صالح بدور جديد للمدينة، وخلال القرن السابع الميلادي برزت إمبراطورية غانا كقوة عظمى مهيمنة في المنطقة متخذة من مدينة كومبي صالح عاصمة لها، ومع حلول القرن الحادي عشر الميلادي دخل الإسلام إلى المدينة، ووصل عدد سكان كومبي صالح إلى 30 ألف نسمة لتكون واحدة من أكبر المدن في العالم وأكبر مدينة في غرب إفريقيا على الأقل في ذلك الوقت .

وهنا لا يفوت أن نذكر أن كومبي صالح تحولت وقتها إلى إحدى المدن المختلطة عرقياً ودينياً، حيث تحولت المدينة التاريخية إلى جزأين: الجزء الشمالي، وعرف بأنه كان يقع فيه 12 مسجداً، والجزء الجنوبي، وكان مقراً للقصر الملكي وتحيط به تجمعات سكانية . على أن المدينة عرفت تقسيماً دينياً، حيث يسكن المسلمون حي صالح، فيما يسكن الوثنيون حي كومبي .

حقيقة التسمية

تبقى تسمية مدينة كومبي صالح محل بحث علمي متواصل للوقوف على حقيقة هذا الاسم، بين قائل إن الكلمتين تمثلان التقسيم الديني للمدينة، وبين قائل إن أصل الكلمتين عربي وإنما تم تحريف كلمتي قم بصالح بسبب حداثة اختلاط اللغات في المدينة، وحداثة وصول التعريب إلى المنطقة، وبذلك أصبح الاسم كومبي صالح بدلاً من قم بصالح، وهناك من يقول: إن لهذا الاسم علاقة بالقبر الشهير في ضاحية المدينة المعروف بصحبي، التي تعني في لهجة السكان المحليين الحاليين الصحابي . . وهو مزار معروف الآن، ويرجح أنه قبر لرجل صالح دفن في هذا المكان .

وتتواتر بعض الروايات التاريخية على أن المدينة التي يعود تاريخ تأسيسها إلى 1700 عام، بنيت أولاً من طرف قبائل صنهاجة البربرية التي كانت تسكن المنطقة وعلى امتداد دلتا النهر إلى المحيط الأطلسي .

لعبت مدينة كومبي صالح أدواراً رئيسة على مراحل تاريخية، فقد كانت على أطراف مملكة وثنية سميت من طرف باحثين غربيين بعد ذلك بمملكة غانا إحياء لمملكة وثنية إفريقية قديمة، لا ترتبط بكومبي صالح لا بشرياً ولا جغرافياً، وقبل أن تشكل مملكة غانا (مملكة مالي) .

وكانت كومبي صالح معبراً لقوافل التجارة، وخاصة الذهب الذي كان يستخرج من جنوبي مالي وينقل إلى كومبي صالح حيث تشتريه القوافل التجارية الصحراوية لتقوم بنقله إلى شمال إفريقيا، ومن هناك إلى أنحاء العالم وقتها .

ظلت كومبي صالح، المنطقة، تحت نير الوثنية قرابة عشرة قرون، ليدخلها الإسلام أول مرة مع الجيش الذي أرسله الأمويون لفتح إفريقيا، وتزايد دور المسلمين في المدينة بسبب الهجرة من الشمال إلى الجنوب، وبسبب القوافل التجارية، التي حملت الدعاة الأوائل إلى الساحل الصحراوي .

إلا أن موقع هذه المدينة على طريق القوافل التجارية في الصحراء الكبرى، مهد لأن تلعب دوراً تاريخياً كبيراً، وأن تشكل واحدة من أهم وأوائل نقاط التواصل بين سكان الجنوب والشمال الإفريقي (الأفارقة والعرب)، بقدر ما كان للمدينة دورها المهم في نشر الإسلام في منطقة الساحل .

بعد قرابة 800 سنة على بنائها، وفي مطلع العام ،1070 زحفت جيوش دولة المرابطين على المدينة واحتلتها ليحل العرب محل أغلبية السكان الأصليين، وسوف تبقى المدينة ذات أهمية كبيرة لفترة مقبلة .

ذهب وملح

وجدت مدينة كومبي صالح بين مناجم الذهب ومقالع الملح، الذي كان غالي الثمن في ذلك التاريخ، وازدهرت في عهد الملك الإفريقي المسلم منسى موسى الأول، ملك إمبراطورية مالي (1280 - 1337)، التي كانت تشمل حينها كومبي صالح ومناطق أخرى من موريتانيا، وهو، وبحساب التضخم، أغنى رجل في تاريخ البشرية، بثروة تقدر بالتقييم الحالي بالدولارات ب400 مليار دولار وفق تقارير نشرت مؤخراً .

وفي مطلع القرن الثالث عشر الميلادي استخدمت مدينة كومبي صالح، من طرف ملك الصوص سمارى كانته كثكنة لجيوشه ومنطلق لعملياته العسكرية .

قبل خمسمئة عام بدأت مدينة كومبي صالح تفقد أهميتها الاستراتيجية بفعل عوامل بيئية، وبسبب نمو المدن التجارية والعلمية الجديدة وقتها، حيث تحولت طرق التجارة والدعوة إلى مسارات جغرافية أخرى .

وهكذا بدأ دور هذه المدينة التاريخية يتلاشى تدريجياً، لتتحول إلى مدينة تاريخية ميتة إن صح التعبير، حيث ضاع أغلب تراث هذه المدينة من مخطوطات ووثائق، وأنماط عيش سكان، قبل أن تصبح مدينة مندثرة مهجورة .

وفي سنة ،1913 أعيد اكتشاف المدينة الأثرية، وتحولت إلى مركز للحفريات وقبلة لعلماء الآثار من جميع أصقاع المعمورة، حيث أميط اللثام عن المخطط العمراني للمدينة، وبعض مواقعها ومراكزها القديمة، إلا أن أعمال الحفريات والبحوث الميدانية توقفت منذ إطاحة نظام أول رئيس لموريتانيا، الرئيس الراحل المختار ولد داداه سنة ،1978 ولم تسجل أبحاث حفرية وعلمية منذ 1979 تقريباً، لتعود المدينة الأثرية إلى سباتها تحت الأرض، ويبقى تاريخها الأحفوري في انتظار مستكشفين جدد، وإرادة لسبر أغوار هذه المدينة التي يرجح أنها لعبت دوراً أكبر بكثير مما هو موثق ومشاع .

توجد اليوم في مكان المدينة التاريخية نفسه مدينة جديدة، وبالاسم ذاته هي عاصمة لبلدية كمبي صالح الريفية، إحدى البلديات الخمس التابعة لمقاطعة تمبدغة .

وتسكن المدينة والمنطقة قبيلة مشظوف العربية، التي يمكن الآن القول إن المنطقة أصبحت ملكها عقارياً ومجالاً لنفوذها .

مدينة مندثرة

في كومبي صالح لا تزال شواهد المدينة التاريخية قائمة، وتظهر بعض الأسوار، وبعض الشوارع، وبقايا لأساسات أبنية . لكن تبقى المصادر شحيحة حول أغلب ما يتعلق بهذه الشواهد، وباختصار يمكن القول إن كومبي صالح مدينة مندثرة رغم مجاهدة بعض علماء الآثار للكشف عن أن عاصمة إقليمية كبيرة كانت هنا ذات يوم، وكانت أكبر مدينة في القارة الإفريقية أوائل التاريخ الميلادي .

من دون شك إن عوامل بيئية كانت وراء تراجع، ثم اندثار مدينة كومبي صالح خلال القرون الماضية، لكن اللعنة البيئية هذه، لا تزال تطارد هذه المدينة الأسطورية، التي شكلت منطقة تنافس وتلاق وتلاقح بين الأفارقة والبربر والعرب ثقافياً، وبين الوثنية والإسلام دينياً، ورغم أنها الآن تقع ضمن منطقة رعوية، وفي واحدة من أكثر ولايات البلاد خصوبة، إلا أن سكانها يعانون العطش بشكل شبه دائم، نتيجة لقلة الآبار (3 آبار)، وإشراف هذه الآبار على النضوب، ما جعل السكان يرفعون أصواتهم أكثر من مرة طلباً للنجدة من هذا الواقع من دون أن تجد تلك النداءات حتى الآن من يجيب أصحابها، أو كما يقول أحد سكانها كأن همومنا لا تزال من مسؤولية ملوك هذه المدينة الراحلين .

وأدى هذا الواقع الذي يهدد حياة مواطني المدينة إلى نزوح العشرات من سكانها، وإلى مضاعفة معاناة السكان، الذين يعيش أغلبهم على مهنة الرعي .

المختار السالم