مشاهير الولاية : (3) محمد المختار ولد الحامد ودوره في المقاومة


مشاهير الولاية : (3) محمد المختار ولد الحامد ودوره في المقاومة

مشاهير الولاية : (3) محمد المختار ولد الحامد ودوره في المقاومة

19 كانون الأول (ديسمبر) 2015

ا لتعريف بالمجاهد محمد المختار ولد الحامد

عرف المجاهد محمد المختار ولد الحامد بالعديد من الصفات التي قلما اجتمعت لغيره، فالمعاصرون له من موريتانيين وفرنسيين مجمعون على أنه كان فارسا شجاعا، حازما، وقورا، صبورا على مقارعة الأعداء، شديدا عليهم، سريع المبادرة، رفيقا بالإخوان، وكان إلى ذلك كله، فقيها ورعا ( وشيخا مربيا ) ،جمع بين الدنيا والدين فكان بذلك من أولياء الله الكاملين، درأ به الشر ونشر به الخير،رضي الله عنه وأرضاه.

بذل هذا المجاهد كل ما هو غال ونفيس في سبيل الحرية والكرامة فقاوم القوى الاستعمارية الغاشمة، واستخدم في سبيل ذلك كل دهائه السياسي والعسكري وكبد العدو في حينه، وبأسلحته وذخائره، خسائر فادحة في جميع أنحاء تگانت والمناطق المجاورة لها، ولم يدفع ثمنا لذلك دماءَه الزكية ودماءَ قومه وحلفائه فحسب، بل دفع ثمنا له مدينة الرشيد بكاملها.

وبالمناسبة فهي المدينة الموريتانية الوحيدة التي سُويت بالأرض تماما كما سويت مدينتا هيروشيما وناگازاكي.

هذا ليس كلاما ملقا على عواهنه بل هو حقيقة تاريخية تشهد عليها أطلال المدينة المذكورة والتي ما زالت باقية، ماثلة حتى اليوم.

وعلى الرغم من ذلك، تجاهله، عن قصد أو عن غير قصد، كُتُّابُ تاريخ هذا البلد تماما وكأنه لم يكن، وأرجو أن يكون الإخوان المنظمين لهذه الندوة *1قد نجحوا في رد بعض الجميل لهذا الشيخ الجليل وأعطوه جزْءً ولو بسيطا مما يستحق.

أ‌- مولده ونشأته

أما فيما يخص تاريخ ميلاده، فليس هناك، فيما اطلعت عليه من مصادر ومراجع، ما يحدده ولو على سبيل التقريب. لكن صورة الشيخ الفوتوغرافية المتداولة

، وأوصافه ونعوته الواردة في الروايات المتواترة عن معاصريه ممن عرفوه عن كثب من الموريتانيين وما يتواتر على ألسنة أعدائه الفرنسين تفيد أنه كان شيخًا طاعنا في السن، سبعين سنة تقريبا لكنه يبدو ذا بنية قوية وبذلك فمن الأرجح أن يكون قد ولد في أواسط ثلاثينيات القرن التاسع عشر.

تربى محمد المختار رحمه الله في كنف والده المغفور له (الرئيس )الحامد ولد سيد الأمين الملقب أَمَّيْنُوهْ في حلة أولاد سيد ببكر التي كانت يومها بدوية مترحلة تبعا لخطوط نُجعةٍ شمالية جنوبية حسب فصول السنة حيث تمضي أشهر الشتاء وأوائل الصيف في الجنوب، جنوب تگانت وقد تمتد بها تلك النجعة حتى منطقتي العصابة وأفلة. وفي الخريف تنـزاح نحو الشمال، شمال تگانت وإلى مناطق آدرار وتيرس في بعض السنوات. وفي سنوات القحط أو لظروف استثنائية تنـزل عن هضبة تگانت إلى منطقة الحوضين.

تقلد الزعامة بعد ابن عمه سيد أحمد ولد سيد المختار ولد أمينوه *3، وسرعان ما أبدى قدرا كبيرا من الحنكة والدهاء السياسي والمقدرة الفائقة على القيادة ونيل احترام الأعداء والأصدقاء على حد سواء.

ولم تمض إلا فترة قصيرة حتى دانت له أحياء قبيلة كنته بكاملها تقريبا كما يظهر ذلك من نص الحوار المشهور بين الشيخ المجاهد والمحتل الوافد كبولاني. وليس ذلك غريبا إذ أن الشيخ سليل بيت الزعامة في قومه وتعلم الكثير من أساليب الحكم والسياسة عن لوامع ذلك البيت رضي الله عنهم جميعا.

2. عودة محمد المختار إلى تگانت

في الوقت الذي كانت فيه أحداث حملة كبولاني على تگانت تتفاعل، كانت حلة أولاد سيد ببكر تنتجع في منطقة الحوضين . ونتيجة لخبث كبولاني، واطلاعه الجيد على أوضاع المنطقة السياسية، وتناقضاتها الاجتماعية، وفي إطار سياسته المعروفةِ عنه والمتمثلة في ضرب الكتل السياسية بعضها ببعض، وفي ظل رفض كتلة إدوعيش للخضوع للفرنسيين والتعاون معهم، رأى كبولاني أنه لا سبيل إلى السيطرة على المنطقة إلا بواسطة إحدى الكتلتين إدوعيش أو كنته فأرسل على جناح السرعة في ال 25 من مارس 1905نداءَه المشهور لمحمد المختار ولد الحامد يطلب منه العودة إلى تگانت والتعاون مع الفرنسيين مقابل الزعامة على المنطقة.

فجاء نص النداء على النحو التالي

:

"إننا الآن نحتل تگانت وإدوعيش قد لاذوا بآفطوط وكبير هو استغرابي لكوني ما رأيتك تأتي لاستعادة مجدك ومجد آبائك في بلادٍ لقبيلة كنته فيها مصالح كثيرة. لقد حرصت، قبل إعطاء قيادة هذا البلد لزعماء بيظان آخرين، على أن أبادر بدعوتك للقدوم إلي في ظرف 15 يوما من تاريخ هذا اليوم. وستجدني في تجگجة إن شاء الله."

وقد أوردت المصادر بعض التفاصيل المهمة عما دار بين الرجلين في لقائهما الأول نقلا عن روبير راندو(Randau ٌRobet ) كاتب كبولاني في كتابه "كبولاني ناشر السلم ما نصه":

"حضرت المقابلة الرسمية بين كبولاني ومحمد المختار بن الحامد، أُلقي بساط على كيس من أكياس الطحين وجلس عليه مبتسما، مرتاحا للشرف الذي خُصص له ...

قال كبولاني : أطلب منك أن تكون صريحا وألا تخادع في الكلام كما هي عادة البيضان، وأن تقول لي ماذا يمكن أن أعمل لك، وماذا تستطيع أن تعمل لي فأجاب محمد المختار : أريد أن أجعل نفوذي في تگانت في خدمتك بوصفي شيخا دينيا ومحاربا ..

فأجاب كبولاني : جيد جدا! ماذا تطلب أنت في مقابل مساعدتك ؟

محمد المختار :أريد أن أكون سيد تگانت، إن هذا البلد صعب القياد وسيكون عملي فيه ضبط النظام وحماية أمن القوافل، وسيكون من الإنصاف أن تخصصوا لي مزايا.

كبولاني : قبل الحديث عن هذه النقطة أعرض علي طبيعة المساعدات التي سـتقدمها لنا ..وذكرني بالأشخاص الذين هم معك والقبائل التي يمكنك أن تعتمد عليها .

محمد المختار: كل كنتة يطيعونني ولا يقومون بأمر دون إستشارتي ...

كبولاني : هذا لا يكفي من هي المجموعات من بين كنتة التي تلتزم أنت بأن تجعلها تقدم لنا المساعدات الفعلية ؟ محمد المختار: إنهم أولاد سيد الوافي وأولاد سيدي بوبكر وأولاد البح وحلفائي من أولاد الناصر إنهم يطيعون أوامري دون نقاش، وفي مقابل مساعدتي أريد أن تعاملني كما تعامل الشيخ بابا ولد الشيخ سيدي.

كبولاني: توقف هنا، الشيخ بابا ولد الشيخ سيدي ليست لديه أية سلطة زمنية، إنه مُرابطٌ كبير، أحبه وأحترمه للغاية، إنه صديقي ولكنني لن أطلب منه أن يركب جوادا في أثر الغارات بينما المكانة التي تطلبها أنت تقتضي واجبات عسكرية و أولها أن تكون دائما على صهوة حصان وتضمن الأمن في ربوع تگانت ...لكي تصبح شيخ تگانت، يجب أن تبقى خاضعا لفرنسا ومطيعا لممثليها هنا"

هذا ما تيسر من تفاصيل هذا اللقاء، في البداية نرى كبولاني يفتتح الحوار بعبارات تنم عن صلف وتعال ربما للتأثير نفسيا على الجليس بإثارته للتعرف على نوع شخصيته من خلال ما قد يصدر عنه من ردود أفعال أو إيهامه بقوة مركزه التفاوضي. لكن محمد المختار ليس بالشخص الذي يمكن أن يتأثر بهذا النوع من الأساليب وكأني به يستمع إليه ويقول في نفسه سيخبرك قادم الأيام عن أي شخص تتحدث إليه بهذه اللهجة أيها الغريب المحتل.

ويقال أنه مباشرة بعد أن عاد إلى مضارب الحلة وفي جلسة لأزوان قال لمغنيته معلقا على هذا اللقاء:

كَـبُّلاَنِ يَغَيْـلانَ

مَارَتْ عَنُّ مَاهُ وَاعِ

دَايرْ مَنِّ راعِ وَانَ

مَانِ كَاعْ الرَّاصِ رَاعِ

3. العلاقة الصعبة مع الفرنسيين

اتسمت علاقة محمد المختار ولد الحامد بالفرنسيين بالصعوبة البالغة وبشيء من المد والجزر، فكان على الرجل، خدمة لما يخطط له، أن يوفق بين مبادئه السياسية والدينية وبين ما يريده الفرنسيون منه كمساعد لهم في المنطقة.

استجاب الداهية المجاهد محمد المختار لهذا لنداء كبولاني سالف الذكر، والذي كان بالنسبة له فرصة للاقتراب من الخصم لمعرفته عن كثب ودراسة نقاط القوة والضعف لديه من جهة، ولاكتساب بعض الأسلحة التي هو بحاجة شديدة إليها في ظل التفوق الحاسم للعدو في مجال التسليح من جهة أخرى. وقد تم له ذلك بالفعل إذ بعد قدومه مباشرة إلى تجگجة نال بدهائه ثقة واحترام الفرنسيين فأطلعوه على الكثير من خططهم السياسية والعسكرية حتى أنه طلب من كبولاني أن يسلمه 500 بندقية حديثة مع ذخيرتها كان سيعطيها له على أن يبقيها في مضاربه وأن لا يوزعها في البوادي لولا أنْ فاجأته المنية على يد الشهيد الشريف سيد ولد مولاي الزين وقد سلمه فعلا كابدبوسك خَلَف كبولاني فيما بعد 20 بندقية وكمية من الذخيرة .

كان ذلك المستوى من الثقة والاحترام الذي ناله الرجل في معسكر الفرنسيين سيستمر حتى تحقيق الهدف منه لولا ما أبداه من حزن على مقتل الشهيد سيد ولد مولاي الزين وانحنائه على جثمانه إجلالا له، وقراءة الفاتحة على روحه الطاهرة، يضاف إلى ذلك موقفه الرافض والمستهجن من إبطاء الفرنسيين في دفن الشهداء تمثيلا بهم واحتقارا . هذا المشهد أثار حفيظة الفرنسيين فساورتهم شكوك قوية حول إخلاص الشيخ لهم ونواياه الحقيقية بشأنهم، حتى أنهم وضعوه تحت الرقابة. حاول المجاهد إصلاح ما فسد لكن الشكوك ظلت على ما هي عليه خاصة أن الفرنسيين لم يحصلوا ولو لمرة واحدة على ما كانوا ينتظرونه من معلومات استخبارية عن تحركات رجال المقاومة، أعدادهم، تسليحهم، خططهم واستراتيجياتهم إلى غير ذلك.

توترت العلاقة بين محمد المختار والفرنسيين نتيجة أحداث ومواقف منها رفضه المتكرر للمشاركة في القوافل التي يسيرها مركز تجگجة وتوفير الجِمال لنقل المؤن والإمدادات بحجة أو بأخرى، والصلات القائمة بينه وبين الأمير الشاب سيد احمد ولد احمد ولد عيدة أمير آدرار والشيخ ماء العينين بن الشيخ محمد فاضل المقيم في أصمارة، والشريف مولاي إدريس خاصة في ظل إعلان هذا الأخير في ال 31 من أغشت من عام 1906 أنه سيتقدم إلى تگانت في غضون 35 يوما وربما يكون هذا الإعلان هو ما حدى بحاكم الدائرة بسحب بعض قطع السلاح من يد محمد المختار لعدم الثقة فيه والشكوك التي تحوم حول علاقته بأهل ال