الثقافة ودورها في التنمية ( تيشيت نموذجا )


  الثقافة ودورها في التنمية ( تيشيت نموذجا )

الثقافة ودورها في التنمية ( تيشيت نموذجا )

26 كانون الأول (ديسمبر) 2015

مدخل :

إن الحديث عن الثقافية ودورها في التنمية يتطلب ـ حسب رأيي ولو بإيجاز ـ التعرض لتعريف كل من الثقافة والتنمية والعلاقة بينهما ثم التعريج على المدينة النموذج ( تيشيت ) من حيث موقعها الجغرافي ؛ ثم الحديث عن الثقافة فيها ؛ وأخيرا إمكانية استغلال هذه الثقافة في تنمية وتنشيط الحياة في المدينة. لم يكن هذا الحديث بدعا في محله وموضوعه بل يبدو أنه قول معاد أو هو قول على قول ؛ لكن ـ كما يقال ـ في الإعادة تجديد إفادة نعم كانت عناصر هذا المقال محل مؤتمرات لمنظمة اليونسكو وكذا الآيسسكو والكثير من وزارت الثقافة والتراث في العالم ، هذا إضافة إلى العديد من الملتقيات الدولية حول موضوع الثقافة ما هي ؟ وهل هي عامل تنمية أم عامل استهلاك ؟ ومع ذلك فها نحن اليوم نعيد الكرة لعل وعسى أن نثير الاهتمام ونشحذ الهمم لمن يتحمل المسؤولية العامة من إدارات الدولة ومسئولين محليين ومنتخبين وأصحاب النيات الحسان من ذوي الاهتمام بالثقافة والتراث ؛ غير أن الجميع لا ينبغي أن يكون المحرك الأساسي له العواطف والمصالح الشخصية فحسب بل لا بد من أهداف واضحة المعالم تسوغ وتبرر التصرف إيجابا أوسلبا وفي هذا الصدد نذكر الأهداف التالية لاسترجاعنا لهذا الموضوع والتي منها : ـ التذكير بالتراث الثقافي التيشيتي وذكر نماذج منه حتى يبقى ـ دائما ـ حيا في الذاكرة الوطنية بل والدولية وحتى ينال نصيبه من جهود الحفظ والصيانة. ـ ترسيخ البعد التنموي للثقافة في هذه المدينة حتى تدمج آليات الصيانة والحفظ ضمن مشاريع تنمية المدينة من الدن الإدارة المحلية أو الإدارة الوطنية. ـ الكشف عن العلاقات الوطيدة والتاريخية بين الحواضر القديمة التكرورية (ولاته ، تنبيكتو ، تيشيت ، شنقيط ، ودان ) ومن ورائها الحواضر العربية والإسلامية وحتى لا نطيل الفاصل فلنعد لنواصل فنقول : أولا تعريف الثقافة : الثقافة مصدر فعله ثقف بالضم والكسر وتعني إما التفوق أو الحذاقة والفطنة والظفر قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ قال صاحب تاج العروس: ثَقُفَ ، كَكَرُمَ ، وفَرِحَ ، ثَقْفاً بالفَتْحِ عَلَى غيرِ قِياسٍ وثَقَفاً ، مُحَرَّكَةً : مَصْدَرُ ثَقِفَ ، بالكَسْرِ ، وثقَافَةً مَصْدَرُ ثَقُفَ ، بِالضَّمِّ : صَارَ حَاذِقاً خَفِيفاً فَطِناً فَهِماً فَهُوَ ثِقْفٌ ، كحِبْرٍ؛ وَقَالَ اللَّيْثُ : رجلٌ ثَقْفٌ لَقْفٌ ، وثَقِفٌ لَقِفٌ ، أَي : رَاوٍ شَاعِرٌ رَامٍ وقال علي بن عبيدة : ثقف نفسك بالآداب قبل صحبة الملوك؛ غير أن مفهوم الثقافة تطورت دلالاته بتطور الحياة تطورا هائلا، بحيث (لم يعد مفهوم الثقافة يحيل إلى المعارف التي يتم تلقينها في المدارس العصرية ولا المحاظر؛ بل أصبح مرادفا للرقي الفكري والأدبي والاجتماعي للأفراد والجماعات ، ونظرية في السلوك بما يرسم طريق الحياة إجمالا، وبما يتمثل فيه الطابع العام الذي ينطبع عليه شعب من الشعوب، وهي الوجوه المميزة للمقومات التي تميز ها عن غيرها من الجماعات بما تقوم به من العقائد والقيم واللغة والمبادئ ، والسلوك والمقدسات والقوانين والتجارب. وفي جملة واحدة فإن الثقافة هي الكل المركب الذي يتضمن المعارف والعقائد والفنون والأخلاق والقوانين والعادات.) وفي هذا المضمون يقول محمد سعيد بن همدي رئيس اللجنة التحضيرية للملتقى الدولي الأول حول التراث الثقافي الموريتاني المنظم في نواكشوط أيام 29 30 نوفمبر وفاتح ديسمبر سنة 1999م حيث قال : ( وهذه الثقافة هي الواقع اليوم لمحاظرنا ومكتباتنا التاريخية ومدارسنا القرآنية وملابسنا وموسيقانا وفنون رقصنا وأثاثنا وحكاياتنا وأقاصيصنا الشعبية وألعابنا ) وانطلاقا من هذا فإن الثقافة هي النبراس المضيء الذي يسلط الضوء على الماضي والحاضر والمستقبل لأي مجموعة بشرية ما حتى لا تنفصم عرى الاتصال والتواصل بين أجيال الماضي الذين عاشوا حقبا في أمكنة بقيت بصماتهم عليها شاهدة وآثارهم فيها قائمة ، يكون من العقوق وفقدان الشخصية تجاهل ماضيهم وتضيع آثارهم ؛ لأن الأمر ـ لا شك ـ يؤدي إلى ضياع الحاضر وبالتالي طمس آفاق المستقبل؛ وبالتالي فالثقافة هي العمود الفقري لأي أمة لها ماض تعتز به، وحاضر تعيشه، ومستقبل تتطلع لأن تصل إليه بعز وتميز؛ ومن هنا فالثقافة تدخل في مجالات الحياة الداخلية والخارجية، الروحية والمادية، الذاتية والجماعية، الإنتاجية والاستهلاكية . ومن هنا يبدو جليا ارتباط الثقافة بالحياة، وارتباط الحياة بالتنمية؛ فما التنمية إذن؟ وكيف تستغل الثقافة في سبيلها ؟ ثانيا تعريف التنمية : التنمية مصدر من فعل نما ينمو نموا وتنمية : أَي زاد وكثر غير أن هذه الزيادة والكثرة لم تكن اليوم مقصورة في مجال حياة معين؛ وإنما أصبحت اليوم متعددة الجوانب ، موزعة على كل نشاط يمكن أن يقوم به الإنسان في نفسه أو في محيطه وبيئته؛ لأن التنمية هي تحويل الموارد الطَّبيعية والبشرية والفكرية غير المستثمرَة إلى موارد منتجة ولهذا تعددت أنواع التنمية وفروعها ولهذا قيل ( لقد مضى العهد الذي كانت تقاس فيه التنمية عبر مؤشرات رقمية بحتة فقط ، بل أضحى مفهوم التنمية اليوم أكثر عمقا وشمولية ، تتداخل فيه عوامل كثيرة و متعددة ومختلفة، ويقاس بمدى قدرة أية إستراتيجية على النهوض والتقدم بكافة المناحي الاجتماعية ؛ فلقد أضحى محور العملية التنموية وهدفها المركزي في مفهومها المعاصر ، الإنسان والجماعات البشرية، وتبعا لذلك ظهرت مفاهيم جديدة مثل مفهوم التنمية المستدامة ومفهوم التنمية المندمجة والتنمية البشرية والتنمية المجالية التي تربط العملية التنموية بالمجال والمحيط وكذا مفهوم التنمية الثقافية التي تؤكد على الدور المحوري للثقافة في تحقيق تنمية متكاملة وشاملة للإنسان وللمجموعات البشرية ) وانطلاقا من هاتين المعلومتين الموجزتين عن الثقافة والتنمية ودور الأولى في الثانية فإننا نقدم ثقافة وآثار تيشيت ومدى إمكانية تنمية المدينة من خلالها ؛ وفي سبيل هذا نقدم موقع المدينة حتى نعرف محيطها ومقوماتها ثالثا الموقع : تقع مدينة تيشيت ضمن هضاب تكانت الممتدة نحو الجنوب الشرقي، كما تقع بين بحري الظهر وآوكار ولكل من المنطقتين تأثيرات مناخية ، ومميزات تضاريسية ، وعلامات أثرية وتاريخية تتحدث عن أمم وشعوب سكنت هنا أو هناك. فقد أثبتت الحفريات أنه كان في منطقتها وجود بشري من قبل 5000 سنة وأنها قد مورست في سهولها الزراعة منذ 3000 سنة نعم هذا الموقع يقع في قلب الصحراء الموريتانية حيث تأخذ الهضاب من السماء زرقتها ومن البيوت ظلالها ودفأها ، وحيث تغني عن الأوراق في تدوين المشاعر ورسم الآليات ؛ وحيث تأخذ ـ أيضا ـ الرمال من الذهب صفرته ومن الفضة بياضها ونقاءها ؛ هذه اللوحة المتناغمة لم تكن من باب الإطراء والتنميق فحسب وإنما هي حقيقة تغنى بها الشعراء وكتب عنها الكتاب يقول أحد أبنائها ( بحاد بن الإمام أحمد ) من الشعر الحساني : زين تشيت أوزين حڤ والخدميات أوروص أبهڴ ........... أوزين أنخله أف راص الرقڤ أعليها نصل من لحرام ...

على هذه الأرض الجميلة سكنت شعوب غابرة لم تدرس ـ بعد ـ آثارها بما يكفي ، ثم أورثها الله لبعض من عباده المؤمنين فرسموا خريطتها بمقاسات ثقافتهم تاركين لكل عرق بشري أو فئة عمرية أن تمارس ثقافاتها التي لا تتناقض وروح الإسلام في الغالب الأعم.

رابعا نماذج من ثقافة مدينة تيشيت : إن مفهوم الثقافة يضيق ويتسع حسب الحقل المعرفي المتحدث فيه ؛ وعليه فمفهومها عندنا حاليا مفهوم واسع يشمل أنواع التراث الثلاثة ـ التراث المادي الثابت الذي يشمل البنايات والزخارف والمواقع والممرات ـ التراث المنقول كالمخطوطات من الكتب والوثائق النادرة والقطع الأثرية والنقوش والصناعة التقليدية والعادات والتقاليد. ـ التراث غير المادي وهو ما قد عرفته اليونسكو في اتفاقيتها لعام ٢٠٠٣ بشأن التراث الثقافي غير المادي المصادق عليها سنة 2007 من طرف 78 دولة حيث قالت : ( يقصد بالتراث الثقافي اللامادي الممارسات والتمثلات والتعابير والمعارف والمهارات وكذا الآلات والأدوات والأشياء الاصطناعية والفضاءات الثقافية المرتبطة بها والتي تعترف بها الجماعات والمجموعات وإذا اقتضى الحال الأفراد باعتبارها جزءا من تراثهم الثقافي. وهذا التراث الثقافي اللامادي ينتقل من جيل إلى جيل، ويقع بعثه من جديد من قبل الجماعات والمجموعات طبقا لبيئتهم وتفاعلهم مع الطبيعة ومع تاريخهم، وهو يعطيهم الشعور بالهوية والاستمرارية، بما يساهم في تطوير احترام التنوع الثقافي والإبداع الإنساني. وبصيغة موسعة فإن التراث الثقافي يشمل الثقافة الموروثة عن الأجداد ، وإن انتقال ذلك التراث في مجموعة بشرية يضمن دوام هويتها.) إن هذه الأصناف الثلاثة توجد في مدينتنا تيشيت كلها وسنتناول منها الأمثلة التالية: 01 المدينة : إن بناياتها وأنواع حجارتها ، وتلون طينتها ، وزخرفة جدرانها ، وتصميم بيوتها ومرافقها ومصاريف مياه الأمطار فيها وتوزيع مياه الري بين نخيلها كل هذا يشكل تراثا ماديا تجاوز حدود الوطنية إلى العالمية ؛ وقد أو جز الشاعر محمد ولد آب قيمة هذه المدينة واستنهاض الهمم لها بقوله : مدينة تشيت التاريخ مدينة تاريخ التاريخ يعرفها في الناس العديد يحتاج أمن الناس التجديد

02 المواقع الأثرية : إن المواقع الأثرية والمجاري المائية وتداخل ألوان الطبيعة أمور تنتشر في منطقة المدينة وتمتد في حدودها الإدارية شرقا وغربا مشكلة بذلك لوحة جمالية تأخذ من أعماق التاريخ الصورة البدائية للنمط السكني والقوة البدنية والعزيمة الصلبة لأولئك السكان. وفي الوقت نفسه تأخذ من الواقع طيب العشرة ومسالمة الزوار والتمتع بالبيئة في جو ملأه اعتزاز الناس بنفوسهم واحترامهم لغيرهم. 03 ـ المخطوطات : إن الكم الهائل من المخطوطات التي تحتويه مدينتنا كتبا ووثائق يخولها أن تكون قبلة الباحثين والطلبة الجامعيين من أجل إعداد الرسائل وبحوث التخرج ؛ فإنهم سيجدون تنوعا في الموضوعات ، وقدما في استنساخها ، وتلونا في زخارفها ، وتوثيقا لتملكها ومقابلاتها واستنساخها. 04 ـ القطع الأثرية : إن المدينة تحتوي على مجموعة معتبرة من القطع الأثرية ـ رغم ما يهددها من استنزاف عن طريق البيع أو التفريط الناتج عن عدم الوعي بأهمية تلك القطع الأثرية ـ التي تحكي لنا اليوم قصة صامتة عن حياة أمم قد خلت على هذه الأرض . 05 ـ النقوش : تحتوي سلسلة الهضاب والكهوف المنتشرة في المنطقة مجموعة من النقوش والرسوم ذات الأشكال المختلفة والدلالات المتعددة (كلمات وحيوانات وأدوات). 06 ـ الصناعة التقليدية : فالصناعة التقليدية مجال خصب للإبداع الذهني واليدوي فهي قريبة من فن الرسم ، تجسد وقائع وترسم أخيلة وتصورات على كافة الأدوات المنزلية وأدوات الزينة ؛ ولم تعد الصناعة التقليدية حكرا على أسر معينة تقليدية بل أصبحت اليوم نشاط إبداع وكسب وبهذا كانت عامل اكتفاء قديما كما هي اليوم عامل استجلاب للعملات الأجنبية إذا ما وفرت أمام السواح . 07 ـ العادات والتقاليد ( الثقافة الشعبية ) : ويشمل هذا العنصر مجموعة السلوكيات التي يدخل تحتها بناء الأسرة وما يتعلق به من خطبة ، وزواج ومراسيمهما ؛ والزينة وتنوعها حسب الأعمار والفئات والأجناس ؛ ومراسيم الختان والبلوغ ونزول المطر وكذلك طقوس النخيل واحتفاليات الأعياد إلى غير هذا من العادات التي يعبر بها السكان عن أفراحهم وأتراحهم وأخلاقياتهم فيما بينهم وتعدد هذه العادات والتقاليد بتعدد الأعراق والفئات العمرية يعتبر عنصر ثراء للمدينة ويمكن أن تستغل منه عدة فعاليات في سبيل تنمية المدينة لا سيما وأنها نظمت في شكل مهرجان "الكيطنه". 08 ـ التراث الفكري : فنحن إذا نزلنا لهذا الموضوع لم نزل أرضا يبابا ؛ بل سنلاقى كما هائلا من النصوص الأدبية الفصيحة والشعبية والمرويات في المناقب والبطولات وقصص الحيوانات.

خامسا : الاستغلال التنموي لهذا الثقافة لصالح المدينة : إن كل عنصر من هذه العناصر السالفة الذكر يمكن أن يكون على حدته وحدة اقتصادية وتنموية قابلة لتوفير يد عاملة ودخول معتبرة إذا قيم لها بدراسات ولاقت آذانا صاغية ونفوسا طيبة وأيادي سخية تساعد في تمويلها. وفي هذا المجال سنقدم التصورات الأولية التالية حول مردودية هذه العناصر اقتصاديا على مدينتنا. ولنأخذها في الأرقام التالية. 01 ـ المركز التاريخي للمدينة : يعتبر هذا المركز البطاقة التعريفية والوثيقة التاريخية لمصداقية المدينة ؛ وعليه ينبغي أن يحافظ عليه في شكله المعماري وأزقته الضيقة. ويمكن أن يتصور ذلك في ترميم الدور القديمة القائمة ، وبناء حدود الدور المتهدمة ؛ ولا شك أن هذا يتطلب تمويلات إن وجدت سيستفيد منها المقاولون المحليون واليد العاملة المحلية وأصحاب إنتاج المواد الأولية من ( حجارة ، طين ، خشب ، حشيش ، ...) كما قد يستفيد ملاك الدور القديمة من هذا التأهيل إن صلحت دورهم لإيواء الزوار والسياح الذين يقدمون على المدينة ولا يجدون في الغالب غير البيوت الخاصة. 02 ـ القيطنة : إن توفر المدينة على واحة نخيل بطول 12 كلم في عرض غير منضبط يخول المدينة أن تستثمر اقتصاديا في موسمي الصيف (التمور) والشتاء (الخضروات والشعير) فهذان الموردان يوفران للمدينة أكثر من فرصة عمل ينتجان من خلالهما بضاعة رائجة يمكن تسويقها ؛ إلا أن المردودية الاقتصادية لهما تبقى ناقصة ما لم توفر مياه ري ، وتذلل ممرات الطريق وتنشأ مصانع تعليب للتمور وتوفر وسائل نقل للخضروات. وبتنفيذ هذه المسائل سيعيش السكان نموا اقتصاديا وتحسنا صحيا وفكريا إن شاء الله تعالى . 03 ـ المواقع الأثرية والمناظر الطبيعية : يمكن أن يستغل هذا العنصر في مجال السياحة الطبيعية والتاريخية وقد يستفيد من هذا المجال الأدلاء والجمالة وأصحاب المنازل والسيارت العابرة للصحراء ؛ وهذه الأشياء من أهداف السياحة التي قد عرفت من طرف المنظمة العالمية للسياحة بأنها هي: (نشاط السفر بهدف الترفيه أو التطبيب أو الاكتشاف ، وتوفير الخدمات المتعلقة بهذا النشاط .) غير أن هذا التعريف لم يكن جامعا مانعا للأنواع السياحة ؛ فالسياحة تشمل عدة أنواع نضيف منها إلى المذكورات ما يلي : السياحة الدينية : وتعني السفر بهدف زيارة الأماكن المقدسة السياحة الثقافية : ويكون الهدف منها زيارة الأماكن والمواقع الثقافية ، والمتاحف والمآثر والمعالم التاريخية ، إضافة إلى اكتشاف عادات وتقاليد الشعوب الأخرى. وهذان النوعان هما الموجودان أساسا في مدينة تيشيت غير أن هذا المجال لن يوفر دخلا معتبرا ما لم توضع له خريطة وتصور منه أفلام تعرض في مواقع ترويج الآثار. 04 ـ المخطوطات : إن حدود 10 آلاف كتاب مخطوط وما يزيد على 20 ألف وثيقة ليشكل بحق موضوع مشروع ثقافي اقتصادي متعدد المجالات والأهداف ومعتبر المردودية. فإذا ما نظرنا إلى أي مخطوط فإننا سنجده مكونا من العناصر التالية : الورق، الموضوع، الكتابة، التجفير، المكان... وكل عنصر من هذه العناصر يكون وحدة تتطلب تمويلا وتوفر فرص عمل في المدينة. • الورق مثلا يتطلب مشروع ترميم وهذا له ماله ؛ حتى ولو كان ترميما يدويا ؛ أما إذا كان الترميم صناعيا فالحديث يطول عن مكوناته وفوائده • أما المضمون فمجال متسع يتطلب إعداد الفهارس ومعلمة الأعلام وتصنيف الفنون وتوثيق تواريخ التأليف والنسخ والملكية إلى غير ذلك من الحيثيات المتعلقة بالمضمون والتي من بينها أيضا وتصوير المكروفلم التصوير الرقمي وتصوير أسكنير ، ثم مجالات التحقيق والطباعة والنشر ولأهمية هذه العملية ـ اليوم ـ في تقريب المعارف وترويجها بين الباحثين والطلبة ينبغي ـ إذا لم يكن يجب ـ أن يقام بتمويل فهارس وطباعتها ولا يخفى ما لهذا المشروع من انعكاسات اقتصادية ترجع على المؤهلين من أهل المدينة وأصحاب المكتبات ؛ وتزداد المردودية إذا ما حققت وطبعت كتب وأنجزت ونشرت دراسات وبحوث. • الكتابة إن مدارس الخط التي انتشرت في العالم العربي كان لمورتانيا نصيبها المتميز ضمن الخط المغربي بل قد تميزت تيشيت بمدارس خطية شهد لها بالحسن والجمال ومن أقدم المخطوطات التي تشهد على هذا الفن كتب قد كتبت خلال القرون : الثامن والتاسع والعاشر أما ما بعد ذلك فشواهده لا تحتاج إلى تدليل. ويمكن أن يقال إن هذه المهنة تجاوزها الزمن وحلت المطابع محلها ؛ ولكن يبقى الحفاظ على الأصالة وتعويض المتكسر من المخطوطات ـ إذا رممت ـ هدفان أساسيان يدفعان بنا إلى إنشاء مدرسة للخط القديم أو تكوين فريق على الأقل من سكان المدينة يمتهن هذه المهنة مقابل تعويضات توافقية معتبرة. • التجفير إن عملية التجفير أو التغليف عملية هي الأخرى توفر مجالا للعمل محليا يبدأ بشراء المواد الأولية (جلود مواد التقوية، أصباغ ملونة، اليد العاملة) كل هذا يشلك فرصة عمل توفر موردا اقتصاديا يحسب له حسابه. • المكان : إن ترك هذه الثروة في أماكن غير ملائمة وبدون رعاية متخصصة يعتبر نوعا من التفريط ؛ يجب أن يتفادى ببناء بنايات خاصة للمكتبات، تراعى فيها خاصيتي الرطوبة والحرارة وتزويدها بآليات حفظ ، واكتتاب موظفين من أهل الاختصاص. وهذا إذا قدره الله سيكون له تأثيره الاقتصادي والتنموي على المدينة. 05 ـ النقوش : إن النقوش والكتابات على الصخور في الكهوف وخارجها، مجال هو الآخر قابل لأن تشغل به فئة من الناس تعرف مواقعه وتفسر دلالاته يعرف السياح عناوينهم يتقاضون مقابل ذلك مبالغ توازي خبراتهم وأوقاتهم وبعد الأماكن وأهميتها . 06 ـ القطع الأثرية : إن أغلب القطع الأثرية والتحف يوجد في يد لا تعرف قيمته التراثية ولا مردوديته العامة على البلد ؛ ومع ذلك فالحاجة تدفع صاحبها إلى تسويقها وبيعها للأجانب ؛ الأمر الذي يجعل إقامة مشروع لشراء ما يعرض من تلك القطع ، والتكوين على ما يمكن محاكاته منها أمر ضروري وفيه ما فيه من فتح فرص العمل وشغل الناس بما فيه ربط الحاضر بالماضي. 07 ـ الصناعة التقليدية : إن دور الصناعة التقليدية في اقتصاد المدينة دور واضح وجلي ويشمل عدة مجالات مثل مواد الجلود والصوف والأخشاب والذهب والفضة والنحاس ... ومن كل هذه المواد تصنع أدوات منزلية وخيام وأثاث وحلي إلى غير ذلك وفي كلها يعمل الرجال والنساء. هذا الحقل ينتج دورة اقتصادية تبدأ بشراء المواد الأولية وتنتهي بالتسويق وبين البداية والنهاية يستفيد جمع كبير من السكان من فرص عمل ودخول مقابل تلك الفرص سواء كانت خدمات أو تسويق مواد الأمرين الذين ينتج عنهما تثبيت للسكان في مواطنهم الأصلية . 08 ـ العادات والتقاليد ( الثقافة الشعبية ): قد لا يرى الكثير من الناس للعادات والتقاليد دورا اقتصاديا مهما إلا أن البعض يرى لها ذلك الدور ويراها تدخل في عدة مجالات لها تأثيرها في الاقتصاد بطريقة أو بأخرى؛ فنحن إذا نظرنا إلى العادات والتقاليد المتعلقة بالمناسبات الأسرية ( الزواج، ارحيل، العقيقة) فإننا نجدها تجسد نوعا من التكافل الاجتماعي الذي يمتص كثرة الاستهلاك في هذه المناسبات. إن هذا الدور قد يبدل بإنشاء مؤسسات تقوم بالمحافظة على تلك العادات في شكل يقبل الاستمرار مثل القروض الميسرة المضمونة السداد. وقد نجد من العادات ما كان يدخل في صميم الاقتصاد كالرفاق التي تشد إلى الجنوب حاملة الملح (أمرسال) لتبدله بالمواد الغذائية وبعض أنواع اللباس ، وإلى الشمال مسوقة ما استجلبته من الجنوب ومستوردة الملح الحي من معدنه كدية "الجل"؛ ويشهد لهذا النوع اليوم قافلة أمرسال التي ما زالت موجودة أما تقاليد الأعياد ومواسم المطر وموسم النخيل فكلها سلوكيات يمكن أن تستغل ضمن تظاهرات ثقافية أو شبابية يكون لها دور مهم في اقتصاد المدينة ؛ لما تستجلبه من زوار وما يصاحب ذلك من دورة اقتصادية مشهودة في العالم كله. إن العادات عندنا والتقاليد قد حاول البعض أن يجعلها ـ ومنذ زمن بعيد ـ في إطار مؤسسي يدعى (تڴري) فهو مؤسسة لها نظام غير مكتوب ولكنه ملزم تتألف إدارتها من رئيس ونائبه وقاض واسڴل (مسؤول الإعلام والتنظيم). وهذه المؤسسة تعتمد العمل التطوعي كما تقوم بإنعاش مناسبات المنتسبين فيها. 09 ـ التراث الفكري والكنوز البشيرية : إن الاهتمام بهذا النوع من التراث يفتح أبوابا من الأمل عند المتقاعدين من السكان أصحاب الذاكرات القوية والمواهب والخبرات والإبداعات النادرة ويمكن أن نتصور الدور الاقتصادي لهؤلاء في أنشطة منها: ـ تمويل بحوث متعلقة بالمكتوب من هذا المجال وتوثيق المرويات والحكايات. ـ أو الإعلان عن جوائز موسمية مقابل إبداعات فنية وأدبية وإخراج مطمورات ومنسيات هذا الفن كما يمكن أن يستغل في هذا المجال الطب التقليدي والذي يعتمد في الغالب على استخدام مواد طبيعية وإلهامات يصحبها الورع والخوف. وقد عرّفت منظمة الصحة العالمية الطب التقليدي بأنه مجموعة الممارسات والمناهج والمعارف والمعتقدات الطبية التي تتضمن استخدام الأدوية والأساليب العلاجية الروحانية والتقنيات اليدوية والتمارين القائمة على النباتات والحيوانات والمعادن ، والتي تُطبق بصورة فردية أو جماعية للمداواة والتشخيص والوقاية من الأمراض أو الحفاظ على الصحة وقد ظهر في تشيت قديما رجال أجرى الله على أيديهم مهارة طبية وصلت إلى حد إجراء العمليات من أمثال اشريف بوي بن آب واشريف أحمد بن شيرف بن أحمد وغيرهما ؛ أما اليوم فلا زالت أسر تمارس المهنة وتعيش عليها رغم وجود الطب الحديث غير أن المواد المستخدمة في هذه المهنة كلها مواد طبيعية إما أعشاب وإما مواد معدنية جربت فاعليتها أو على الأقل نفيت مضاره مثل الصمغ والونكل وايش ... وللوصول إلى هذه المواد والاستفادة منها ينبغي تمويل مشاريع الفزاعة التي تحصد تلك المواد وتصلحها حتى تكون في يد المستخدمين المهرة المسجلين عند السلطات المحلية والإدارية هذه أمثلة يمكن أن تكون ورقة تأخذ للنقاش والدراسة في سبيل تنمية المدن القديمة في المجال الثقافي الذي يعتبر بطاقة تعريفها وسر تميزها مما جعلها ذاكرة الأمة ومحل عزها وفخرها ورغم ذلك فإن الجهود المبذولة لإنقاذ هذه المدن ما زالت جهودا تحتاج للجدولة والتنسيق والبحث عن الأرصدة الضرورية ثم الاستمرارية في التنفيذ حتى تتحقق أهداف الخطط ضمن استراتجية الحكومة أو المنظمات غير الحكومية والهيئات المحلية. ورغم مآخذنا على رتابة الإنقاذ وضعف مردوديته وعدم التنسيق فيه بين أجهزة الدولة المعنية به فضلا عن تنسيقها مع المنظمات المهتمة بالثقافة والتي أصبحت أكثر من الضرورة بل ومن الحاجة ؛ أي رغم كل هذا فإنني لا يسعني إلا أن أذكر ببعض جهود المعهد الموريتاني للبحث العلمي وخاصة في مجال المخطوطات والثقافة الشعبية والتنقيب عن الآثار المخطوطات : ـ جمع حوالي 6000 مخطوط أصبحت تحت يد المعهد ؛ وقد قام في الماضي بترميم حدود 260 مخطوط منها ؛ وهاهو اليوم يقوم بعملية مقابلة فهارسها والتحقق من الموجودات وتصحيح أسمائها ونسبتها. ـ تصوير ما يناهز 3000 مخطوط على الميكروفلم ؛ وهذا العدد مختار من ضمن 200 مكتبة على امتداد التراب الوطني ـ إنجاز فهرس عن مخطوطات شنقيط وودان ، نشر سنة 1997 م ومخطوطات ولاته والنعمة وكذلك إعداد فهارس كل من تيشيت وتجكجه وكركل ؛ وهاهو اليوم يقوم بتصحيح وطباعة الفهارس المعدة من طرف مشروع صيانة تثمين التراث . ـ توفير المصادر والمراجع ذات العلاقة بفهارس الكتب وأعلام المؤلفين الثقافة الشعبية : وقد تحقق فيها القيام بعدة رحلات علمية لبعض الولايات شملت : تكانت، وآدرار، ولعصابة ، والحوض الشرقي ، وكركل ؛ سجلت خلالها مئات الأشرطة ، وعدة ندوات حصل من خلالها على كم هائل من النصوص والحكايات التراثية والتي يعكف المعهد حاليا على تفريغها على الأوراق وفي الأقراص المدمجة التنقيب عن الآثار وحمايتها : فقد قام المعهد بسلسلة من التنقيبات شملت أشيرت محمد نافع قرب آقريجيت، وآوداغست، وكمبي صالح، وآزوكي، ومنطقة أوجفت؛ وهاهو اليوم يتابع شركات التنقيب ويراقب أعمالها حتى لا تهدم المواقع الأثرية سادسا الخلاصة : قد ظهر جليا أن الثقافة والتنمية يمكن أن يكونا وجهان لعملة واحدة وعليه فينبغي استغلال الأولى من أجل حصول الثانية وبالأخص في المناطق التي لا موارد لها سوى بعدها التاريخي، ورصيدها الثقافي ، وتنوع تراثها الحضاري أمثال المدن القديمة في موريتانيا وبالأخص مدينة تيشيت هذه المدينة التي قدمنا لكم نماذج من ثقافتها ، وبعض تصوراتنا لكون تلك النماذج أرضية صالحة لأن تكون مشاريع تحقق هدفين في وقت واحد ( الصيانة + دخل ) هذه المدينة التي قال فيها الشاعر السيد محمد بن المختار بن أبنو سنة 2002 منوها بماضيها المشرف وباكيا ومستبكيا على الحاضر المحزن وحاثا ومستحثا إلى مستقبل زاهر فيها إن شاء الله : أتيشيت هل يرعى وهل يحفظ العهدا أترعى عهود الأمهات ولا نرى وعقتك أنداء العلوم وإنها ولو صدقوا ردوا إليك أصول ما ألم تنشري الفجر الذي كان نوره ألم تلدي أولى يد في ربوعنا ألم تهبي للعلم من آل مسلم لك القطر يا أما له مدت المهد لعهدك من راع ولا حافظ عهدا نفائسك اللائي تناهبك الأندا تلقوه من علم ومن أدب ردا مدادا به مدت معارفنا مدا برت قلما أمسى لأقلامنا جدا ومن آل عبد المؤمن الشيب والمرد

وفي الختام فهذه إثارات وتنويهات ينبغي أن تعمق أكثر وتنقح وترتب حسب الأولويات والإمكانات والله يوفقنا وإياكم لصا لح العباد والبلاد والله ولي التوفيق.

المراجع :
- مرتضى الزبيدي ؛ تاج العروس (23/ 60)
- أحمد مولود ولد أيدة ؛ الصحرى الكبرى مدن ، ج1، ص: 261 ، م س
- الناني ولد الحسين ؛ صحراء الملثمين ، ص : 317 ـ 318 ، ط : دار المدار الإسلامي 2007 م
- السالك / محمد المصطفى ؛ فولكلور تيشيت ، مجلة الوسيط ، العدد 11 ، المعهد الموريتاني للبحث العلمي ، سنة 2011 م أنواكشوط
- روبير فيرني؛ الإركلوجيا في إفريقيا الغربية ، ترجمة بوبه بن محمد نافع ، ص: 135 . أنواكشوط 2002 م
- فعاليات الملتقى الدولي الأول حول التراث الثقافي الموريتاني المنظم ما بين 29 ـ 30 نفمبر وفاتح دجنمبر سنة 1999م
- كزاوري زانغ ؛ إدارة الطب التقليدي ، منظمة الصحة العالمية ، جنيف ، البريد الإلكتروني: trm@who.int

محمدو أحمد شريف بوي