التنوع الثقافي : المفاهيم و المقاربات


التنوع الثقافي : المفاهيم و المقاربات

التنوع الثقافي : المفاهيم و المقاربات

19 كانون الثاني (يناير) 2016

- التاريخ والخلفية
الثقافة هي مجموعة من المعارف المكتسبة والجوانب الفكرية للحضارة. بل هى أيضا بوصلة للمجتمع ، حيث لا يستطيع دونها أعضاءه ادراك من أين جاءوا ولا كيف يجب أن يتصرفوا في المستقبل لاستمرارية مجتمعهم ..
الثقافات مصنوعة من المعتقدات والممارسات الدينية والتعليمية والغذائية والصحية والفنية و المرحية و تشمل أيضا قواعد لتنظيم الأسر و الفئات الاجتماعية والسياسية. الأمر الذى يتطلب بعض الوقت لتنتقل جميع هذه الجوانب ، من جيل إلى جيل ، وتسمى ثقافة.
اللغات والثقافات هي الآن في قلب ظواهر الهوية ولكنها أيضا بؤرة اضطرابات تاريخية وإرهاصات للعولمة . .
منذ تفرق أوائل الرجال صاغت العوامل الدينية و المناخية والجغرافية و الاقتصادية أنماط حياة هؤلاء واؤلائك مخلفة تنوعا ثقافيا ينمو و ينهار مع مرور الوقت و تحت ضغط عدد كبير من العوامل الإضافية ( الكوارث الطبيعية ، والحروب ، والأوبئة ، وأحيانا بسبب النفوذ المهيمن لثقافة أخرى..
الاستعمار أدى بدوره هو الاخر إلى زيادة ظاهرة تآكل الثقافات لتصل أحيانا إلى مرحلة الثقافات الفردية.
مع اختفاء العديد من جوانب وأشكال التعبير الثقافي للبلدان المستعمرة) ) .
ان تطوير التكنولوجيا الجديدة للمعلومات (مع ظاهرة العولمة ) جعلت من العالم قرية كونية صغيرة حيث يتم إرسال الرسائل و المعلومات في ثوان إلى الزوايا الأربع من العالم. وتفرض وسائل الإعلام أقوى المنتجات الثقافية من خلال التكنولوجيا الخاصة التي تفتح الأبواب أمام الأيديولوجيات السائدة أو " النموذجية " بالنسبة للبعض. هذه الوسائل القوية تفرغ سيلا ثقافيا عارما على باقى العالم ويترتب على ذلك ان المنتجات الثقافية للبلدان النامية تهبط إلى الخلف إذا لم تمحى من سلسلة المعلومات من خلال عدم وجود قنوات التوزيع و الحفظ.

إلا انه تم خلق تأثير معاكس من خلال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات مكن من صحوة السكان في البلدان النامية لترفع مطالبها إلى المنابر العالمية الكبرى. .
حسب ان ظاهرة التنوع الثقافي اليوم في صلب الاهتمامات العالمية و يختلف نهجه معالجة البلدان له و الظروف. كما تختلف المفاهيم بانتظام و تأخذ في الاعتبار الأبعاد الحديثة والمطالبات التي تفرض نفسها على مر السنين. فقد اعتبرت القضايا القانونية والدولية للتنوع الثقافي من قبل غالبية الدول التي لديها تكوين ثقافي متنوع ( قديم أو جديد ) . و في خضم هذه الحركة العالمية ظهرت تدابير ملموسة لحماية الأقليات اللغوية والعرقية ( بعض الدول لا تعترف بالأقليات الثقافية ) التي تكون مطالبها ثقافية.وحيث تم حجبها ستبقى هذه المطالبات تشكل تهديدا دائما على التماسك الاجتماعي والاستقرار الوطني والدولي.
ظهر العديد من الاستراتيجيات لحماية تنوعنا الأساسى الذى أصبح عنصرا أساسيا من الجغرافيا السياسية الدولية و ركيزة من ركائز التنمية المستدامة ( في عام 2002 جنت الصناعات الثقافية الفرنسية 30 مليار يورو) ) .
تم إنشاء آليات وقائية ونشر أشكال التعبير الثقافي من قبل جميع دول العالم وخاصة الآليات
-  القانونية ( اعتماد النصوص )
-  الإدارية (التصنيف الترتيب ، الاعتراف وتنظيم الأنشطة )
-  التشارك ، يقظة وتحسيس السكان والمجتمع المدني؛
-  الدعم المالي ا ( الإعانات ، إلاعفاء وإعادة التأهيل )
-  المصادقة على الاتفاقيات الدولية و الترتيبات القانونية
-  التعاون الثنائى والمتعدد بين البلدان التي تتميز بتواصل الثقافات الموزعة فى اطار من الاحترام المتبادل (تصنيف التراث المشترك ، القانون العام و العلاقات الثقافية بين البلدان المضيفة والبلدان الاصلية .
ان تدهور البيئة العالمية في العقود الأخيرة ، و احتلال الأراضي الفلسطينية ، و الحروب في افغانستان ، والعراق و في مالي ، وتشريد الملايين من الناس في العالم ليست فقط ضربة للاستقرار الدولي ولكن أيضا تهديد حقيقي للتراث والثقافة بشكل عام..
وإدراكا لأهمية هذه المسألة و أثرها على العلاقات الدولية والتنمية المستدامة ، اعتمدت اليونسكو في عام 2005 اتفاقية حماية و تعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي التي ترتكز خطوطها العريضة على :

من اتفاقية حماية و تعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي ، التي اعتمدتها اليونسكو 20 أكتوبر 2005
التنوع الثقافي يبعث إلى تعدد الطرق التي وجدت من خلالها المجتمعات التعبير. يتم تمرير هذه التعبيرات داخل الجماعات و المجتمعات و فيما بينها
هذا الاتفاق ينص في ديباجته على ما يلي:
التنوع الثقافي هو التراث المشترك للبشرية جمعاء
التنوع الثقافي يخلق عالما غنيا ومتنوعا ، مما يوسع الخيارات و يغذي القدرات البشرية والقيم ، وبالتالي هو المحرك الرئيسي للتنمية المستدامة للمجتمعات والشعوب والأمم
التنوع الثقافي و الازدهار في إطار من الديمقراطية والتسامح والعدالة الاجتماعية و الاحترام المتبادل بين الشعوب و الثقافات ، أمر لا غنى عنه لتحقيق السلام والأمن على الصعيدين المحلي والوطني و الدولي..
أهداف اتفاقية عام 2005
حماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي، وخلق الظروف الملائمة لتنميتها
تشجيع الحوار بين الثقافات وتعزيز التواصل بينها
- تعزيز احترام تنوع أشكال التعبير الثقافي و التأكيد على أهمية الصلة بين الثقافة والتنمية.
ويعترف هذا الاتفاق بمبدأ " المساواة في الكرامة والاحترام لجميع الثقافات
ويعترف هذا الاتفاق أيضا أن التعددية الثقافية شكل من أشكال التفاعل العادل للثقافات المتنوعة ، ويمكن أيضا من استنباط عبارات ثقافية من خلال الحوار و الاحترام المتبادل.

وتدعو اتفاقية عام 2005 لمعاملة تفضيلية للدول النامية.
يتناول هذا الاتفاق أيضا:
حقوق و التزامات الأطراف
العلاقات مع غيرها من الادوات
هيئات الاتفاقية
أحكام ختامية و اجراء المصلحة .
التصديق على هذه الاتفاقية من قبل عدد كبير من الدول اليوم مكن من تملك أكبر عدد من للسكان من ثقافاتهم حيث خلق هؤلاء السكان فى نهاية المطاف آليات خاصة بالحفاظ ، والتثمين والتوزيع.
3. التنوع الثقافى فى موريتاني
وقد أثرت الصحراء و النهر كثيرا على الفضاء الاجتماعي و الثقافي فى موريتانيا الذي يتمتع الآن بنظام ثقافى متميز . نجم عنه مزيج انسانى و ثقافي منذ عدة قرون تشكل من المساهمات العربية البربرية الزنجية . .
ان موريتانيا بلد التنوع الثقافي بامتياز يتمتع بوضع متميز محمى اولا بتعاليم دينه الحنيف الذي يضمن التنوع البشري ، و بفضل الدستور (اثر التعديلات الاخيرة المنبثقة عن الحوار الوطنى فى 2011 وأخيرا المصادقة على الاتفاقيات الدولية المتعلقة بهذه القضية ( بما في ذلك اتفاقية اليونسكو 2005 )
أبدا لم يسجل في موريتانيا اعتداء طائفة على اخرى لاعتبارات ثقافية . ومن خلال هذا التعايش على أساس الاحترام المتبادل ، عمل كل المجتمع ( البيض ، الفولان والسوننكي و الولوف ) في الحفاظ على ادق التفاصيل للخصوصية الثقافية لكل مجموعة على حدد وهذه ميزة خاصة بالمجتمع الموريتاني ككل ( من حيث الموسيقى ، والملابس ، والأغذية ، والهندسة المعمارية و الرسوم الجدارية و اللغات
من غير المفاجئ ان ترى اليوم الدولوكى والكوفندى الولار يتعايشون مع عمامة وفضفاضة \ دراع\ والقدر والقربة ، ثنائى الماء دون فتنة أو طلاق
حافظ الوشم و الختان السونينكي و الولوفى على اصالتهما وخصوصيتهما
العريش الزنجي الأفريقي ( المختلف فى تركيبته من مجموعة الى اخرى ) لم يهاجم أبدا خيمة البيظانى .
في أماكن أخرى من العالم ، حيث الصراعات الثقافية تقسم أمما بأكملها ، و تشرد الملايين من الناس وتخلق كيانات سياسية هشة..
في السنوات الأخيرة ، عززت موريتانيا مجالا ثقافيا خصبا لتفشي أشكال التعبير الثقافي والفني ودعم المئات من الأنشطة الثقافية حيث تجد المجتمعات المختلفة نفسها ، و تتكامل ويقدر كل منها الاخر .

محمد عدنان ولد بيروك :
- مدرس حاصل على شهادة الدراسات المعمقة في التاريخ المعاصر
- مدير الثقافة و الفنون ، بوزارة الثقافة والشباب والرياضة