معجم الطبخ الموريتاني


معجم الطبخ الموريتاني

معجم الطبخ الموريتاني

8 تشرين الثاني (نوفمبر) 2015

كسائر الأطفال من عمري كان البدء بالتراب أي بأكل التراب لقد كنت مكرها فآنذاك لا توجد أغذية للأطفال وكان ذوونا يفعلون كل ما بوسعهم ليثنونا عن ذلك. لكن يكفي أن نلفي نظرة خاطفة على خريطة موريتانيا لنتبين أن المعركة قد خسرت مسبقا.

لقد كبرنا وكبرت معنا فكرة بسيطة وهي أننا يمكن أن نعيش بأقل قدر من الأكل وأن الأكل فعل شائن ولايستحق الذكر حتى ولو كان البطن لايشاركنا هذا الصمت.

يلقن الأطفال في سن مبكرة مسطرة دروس “لا تاكل” : لا تاكل باليل، لا تاكل صباحا، لا ينبغي أن ناكل مع الكبار، لاتاكل كذا، التنازل عن وجبة العشاء يعين على النمو، الاكل مع الكبار قلة أدب، أكل الكبد يرخي العضلات (خاص بالنساء)، أكل القلب يودي بالجبن (للطلبه)، والمخ “يمتن العين”، تناول الشاي قلة أدب، الأمعاء والكرش لسالخ الشاة، الرأس للصانع التقليدي، الكراع والذي نحسبه لا يدخل في القسمة للخدم، وحتى الطحال يمنع على الأطفال “من كان أبوه حيا” لا يحق له أكل الطحال والا وجهت اليه تهمة التسبب في قتل الأب.

وعليه فإننا نشطب مبكرا على كل ما يؤكل ويغدو الأكل فعلا استثنائيا. وبإلقاء نظرة على لائحة المحظورات سنتبين بسهولة أنه لم يتبق كبير شيء. طبعا لا يمكن البتة أن نتناول الخضر والفواكه والسبب بسيط وهو أن هذه المواد لم تكن موجودة أو على الأقل حيث عشت طفولتي. كنت في سن العاشرة عندما شاهدت أول بقولية في أطار وكانت جزرة تدوقتها وكانت مقززة ولم أعاود تذوقها, قبلها أبصرت -أؤكد أبصرت- فقط البطاطس لكن عن بعد. قبل أن يفرض نفسه مع “البنافه” الخالدة، كان البطاطس مخصصا للمرضى اما أنا فكنت أتمتع بصحة فولاذية. لهذا السبب بالضبط يجوع الأهالي عيالهم: التدريب على التحمل. هذا التحمل الذي سنحتاجه أكثر من أي شيء للنجاة من لفح الشمس الفولاذي، من سموم “إريفي” التي تقذفنا بها الصحراء بجرعات مستمرة، من السلسلة اللامتناهية والمتعددة الأطوار من أمراض الأطفال، من ضربات معلم اللوح على الرأس، ومعلم مدرسة النصارى على اليد، من رفس الحمر على البطن، ومن قرص عقارب وأفاعي الرمال، من نصوص مقرراتنا الفرنسية لكاتبيها شارل فيلدراك و موريس جنفوا ،من قصائد العهد الجاهلي، من زوج مدرس اللوح التي تبعثك للبحث عن أبرة، سلك أو مرآة في آخر نقطة من العالم عند صديقتها المتغولة التي تتجاهل وجودك…
باختصار إذا كان أفراد من جيلي تجاوزوا كل هذه الصعوبات فذلك لأنهم ولد ميتين إلى حد ما ومن ثم تم تدريبهم على العيش أنصاف ميتين.

بعد أن كبرنا تحسنت علاقتنا بالطعام في نفس الوقت الذي شهد فيه الغذاء تحسنا لحسن الحظ. لكن كان علينا انتظار برهة لنتفوه بجمل من قبيل “إني جائع″ أو “ما عندكم من الطعام؟” أو “إني شبعان” وهو أمر كان منكرا في هذا البلد منذ أمد قريب جدا.

من ناحيتي لا أزال أحتفظ ببعض المسبقات من “تربيتي الصارمة” ومرات لا يفوتني أن آخد بالثأر من كل ذلك الحرمان، من الشاي مثلا. ولأعطيكم فكرة عن علاقتي بما “يؤكل” إليكم عرضا سريعا مرتبا أبجديا (1), قاموس جيل يحرم على نفسه أن يجوع أو أن يظمأ.

العين مثل العيش:

هذه كعكة الزرع المدورة والتي نأدمها باللبن الطازج من خصوصيات الترارزة. وكشأن كل ما ياتي من الترارزة، فهي ليست “مجرد شيئ” لكنها ذوق، فلسفة وأدبيات.
يزعم أن العيش يلين السلوك، يلطف الأفكار، ويمنح آكله أحلاما لذيذة. لكن بماذا يحلم آكل العيش؟ يحلم بجنان يأكل فيها العيش ثم ينام ليحلم بجنان يأكل فيها العيش.
العيش هو خصم الكسكس اللدود لكنه يلتحق بآبركط وإكجان وامبربلي وابرمباغجو في متحف الوجبات المنسية. لا تنتظروا من العيش أن يصرخ ويدين هذا الحيف: العيش لا يصرخ.

أكلت العيش كوجبة عشاء لأمد طويل ورغم أنه من المفترض أن يهدأني كلما أكلته، كان يخيل إلي أن تحت ذراعي مفاعلا نوويا. أكتم ذلك لأن آكل العيش ينبغي أن يبدو هادئا ولو كان يغلي داخله بركان، ولأن العيش مزية والتبرم منه سيظهر جانبي الآخر “همجي من أهل السهوه” . هنالك من يبتلعون الثعابين (السذاجة) أما أنا فأبتلع العيش.
فقد العيش السلطة يوم 10 يوليو 1978.

الباء مثل بنافه:

بنافه هي البطاطس المطبوخ باللحم ويقدم معه، وهذا أساسي، الخبز. يغمس الخبز في الصلصة ولابأس أن يطحن الآكل البطاطس. إنه فن أي غمس الخبز إنه من تلك الأمور التافهة والتي تكون رمز أمة كاملة.
كان ظهور بنافه في المشهد المطبخي حدثا تاريخيا، أشبه ما يكون بثورة ثقابية. لم نكن آنذاك نتناول الطعام إلا عندما يضنينا الجوع وإذا بنا نجلس للأكل من أجل المتعة, هذه الهزة الثقافية نقلت الشاي من مرحلة وجبة “نافعة” نتناولها ثلاث مرات كجرع الدواء إلى وضع أكثر مرحا بأن صار مشروبا احتفاليا لكنه بقي دائما مرافقا. لم يحصل الشاي على استقلاله إلا مع نهاية السبعينات عندما أحرز “اللقب” الفاخر “مشروب الحب”. لقد تبدل الزمن وإذا بالأكل الذي كان “يفرق اجماعه” (عبارة حسانية تعني عدم الانسجام والتوافق) صار يجمعها. كانت البنافه أول الطواجن المشرعة من قبل مجتمعنا بعدطول حرمان.

الكاف طبعا مثل الكسكس:

وجبة يزداد وزنها السياسي يوما بعد يوم منذ 10 يوليو 1978 (أمزح، لكن بالكاد). الكسكس هو نقيض العيش.
هنا في موريتانيا عندنا عدة خطوط تفرقة:
– المنافسة بين البداة والمتقرين وهو من أعمق هذه الخلافات.
– المنافسة بين القبائل المحاربة والقبائل الزاوية (أو العرب ضدالبربر)
– التفرق الأتني (العرب والبربر مقابل الزنوج)
– الانقسام “اللحمي” (آكلي لحم الجمل ضد مناصري لحم البقر)
– ويبقى الشرخ الأعمق ذلك القائم بين من يتعشون بالكسكس ومن “يبردون” أجسامهم بالعيش مساء. الكسكس وبجدارة أكثر ودية من العيش: يتحلق حوله عدة أفراد في حين تقطع الكعكة المدورة إلي أجزاء انفرادية. للكسكس “جماعته” التي تبحث مختلف الأمور في انتظاره في حين أن العيش يؤكل في أي حين. نأكل العيش ثم ننام أما الكسكس فيفتح الطريق أمام سمر ينعشه شاي يستمر طويلا. لقد قررت أمور بالغة الأهمية حول هذا الشاي في الأعوام الأخيرة في موريتانيا.
وصول دعاة ومناصري الكسكس الى السلطة إثر انقلاب أطاح بالعيش أعطى دفعا نوعيا لهذا الطعام الذي يلتصق به لقب “الأسمنت المسلح” المادة التي يشترك معها الثقل، الشدة، اللون أحيانا والطعم غالبا.
نتذكر هنا بغض شباب الثانوية المغرمين للكسكس وتخوفاتهم من سماع المحبوبة تقول “انت فيك رائحة الكسكس″. أما أنا فقد بدأ مشواري مع الكسكس إبان حرب الخليج عام 91 فهل هنالك علاقة بين الإمرين؟

الدال مثل الديك:

تجمع هذه الكلمة على صيغتين ديوك وأدياك وكانتا تستخدمان سويا. ثم بعد ذلك في السبعينيات (سجلت هذه العشرية الدخول الفعلي لموريتانيا في القرن) “تخصصت” الجموع إن أمكنت العبارة (فعلا ممكنة): ديوك يميل استخدامها لتحديد “الدجاج”، “الديك الذي نأكل”، طبعا بعد موته مطبوخا أو مشويا أما لفظة “أدياك” فتطلق على الأحياء.
بالفعل كانت قلة قليلة من الموريتانيين تتناول الدجاج حتى نهاية السبعينات. أليس من القول المأثور عنهم أن “مد كالت لحم اديوك ما يبك ش ما كالتو” والديك لا يتاح له من الغذاء إلاالنزر الذي يجود به المارة من بصاق. ثم ظهرت “المطاعم” ، هذه المطاعم الرديئة والتي كانت خدماتها تنحصر في قهوة نسكافي صباحا و الأرز مع السمك زوالا وبفتك بقية يومهم.
ثم بدأت المطاعم في طهو الدجاج. لم يكن ذلك عن نزعة حب مفاجئة للدجاج بل لأن السوق الإفريقية في تلك الآونة أغرقتها شحنات من مخزون الدجاج المثلج منذ الخمسينيات. وبما أن شراء دجاجة يبقى أسهل من شراء كبش (حتى ذلك العهد كان الكبش أصغر ما يمكن ذبحه) فقد عرف الدجاج أيام مجده، فكأنها مكافأة له عن طول مكثه في الثلاجات الدانماركية (حشو؟)
لقد كان هذا النجاح مقتصرا على أوساط الحب المختلس والذي لم يكن يجرِؤ أطرافه على تسعيره. فجاء “الديك” بمثابة الهدية الرمزية التي تفتح جنان ليالي انواكشوط الكئيبة. عاقبة غريبة لهذا الطائر “المؤذن” الذي لم يكن يتوقع أبدا أن يرافق السمار وخصوصا بهذه الطريقة.
يحكي أن ديكا ذهب في رحلة طويلة صحية قافلة، كانت الشقة بعيدة ولتثبيته تم تعليقه ب “كربوص الراحلة” . ولمدة أشهر، وبخطى الجمل الوئيدة، تقاذفت الديك الأسواق والمضارب والقرى وهو معلق في “كربوص الراحلة”. فور عودته هرع الناس إليه يسألونه عما شاهد في رحلته في المشرق من الألوان والروائح والغرائب. حرك الديك رأسه، تنحنح، أمال رأسه لليمين ثم للشمال، نظر الجماعة شزرا ثم صاح بصوت جهوري: “الحق أقول لكم، لم أشاهد أي شيء: لقد ذهبت من هنا منكس الرأس ثم عدت منكسه”.
توشك “الديوك” أن تنحو نفس المسار في صحراء المأكل الموريتاني: إنهم يخرجون بنفس الوضعية التي دخلوا بها. يلاحظ فعلا هجر متزايد للدجاج رغم أنه بات ينتج محليا بكميات كافية.لكن سمعته الشيطانية ما تزال تلتصق بجلده رغم أن مفتاح الحب أصبح اليوم “اللبن” أعني لبن “الباديه”. من يدري لعل بعد موضة “الديوك” و “الباديه” أن تطالب الحسناوات ذات يوم أو ذات ليلة خاطبيها أن يتحفوها بجرائد. إذا تحقق ذلك فمن الممكن أن يساهم في إخراج الصحافة المستقلة من ضائقتها,

الميم مثل الماء:

يفترض أن يكون الماء شراب الرجال أما النساء فيمكنهن العيش دون أن يشربن منه أدنى قطرة. كمادة نادرة، يستخدم الماء بقدر، وكانت الأمهات دائبات في تحذير الأطفال “كف عن شرب هذا الماء، إنه ممزق أحشاءك لا محالة”، ولترسيخ سمعته السيئة وحفظه من الأطفال يدعونه ” الماء الأكحل”.
الارجح أن شرب قدح الماء مع الطعام عادة وفدت إلينا من السنغال مع الأرز بالسمك. أول “كاف” يتغنى بمزايا طبق طعام يعود إلى الستينيات. ليست له أي قيمة أدبية لكنه منتشر على ألسنة العامة، والشعر كان وحتى أجل قريب في هذه الربوع بمثابة الإعلام الشعبي. “أشبه ذ القوت ## بط من الم ## مارو والحوت ## اسبم”
بالتأكيد مستوى الإلهام متواضع إلا أنه رمز لزمن لا يعتبر الأكل فيه أمرا مشينا.
هذه النتف المقفاة تبقى حسب علمنا النص الوحيد المخصص للغذاء. أما الأمثلة القريبة منه فتصنف في شعر الهجاء عندما يتخلف المضيف عن واجب الضيافة، وهو ما يعني بالأحرى غياب الغذاء.

الفاء مثل أف:

نقولها إذا شممنا رائحة كريهة.

الجيم مثل “اكرون أجكان:”

ثمرة نبتة قرعية تنبت غالبا في قاع السهول وتعتبر نوعا من المخللات البرية. يحدثنا الأوائل كثيرا عن حقبة انتشار “اكرون اجكان” وكأنها عصر ذهبي. “أكرون أجكان (قرون اجكان) كانت تعني الوفرة والاحتفال والسرور.
لم أر قط كرون أجكان وقد حدثت أنها تنبت حول تيميكنت ، غير بعيد من المذرذره. لكنه كانت هنالك أماكن يسمح لنا بارتيادها ولم تكن تيميكنت من ضمنها. الذهاب إلى تيميكنت كان يعتبرا “مبتذلا” ولا أدري سبب ذلك، في حين كانت “الموضة” آنذاك في ارتياد احسي المحصر، الشارات، بوطمبطايه وحتى تنييظه . لكن الذهاب إلى اندابسات، امبيكت راها، إكيكه أو تيميكنت يجعلك عرضة للسخرية. بقيت إذن مجبرا على البحث عن اكرون اجكان في نواحي ظايت لعبود في بحث يشبه ” صيد يونيكورن”

الدال مثل آدلكان:

آدلكان ! آه يا آدلكاننا الذي عجزت الألسن عن وصفه والذي يطالعك بعينيه الصغيرتين الحزينتين ! من سيتغنى يوما ببطولات آدلكان وهو ينضج على نار هادئة، صامدا قويا أمام محن أيام انعدام اللحم؟ ومن سيذكر غضبه وانتقامه عندما يصير إلى البطن وما يلي ذلك … آدلكان، أخي آدلكان، من أنقذ موريتانيا من المجاعات؟. انت الذي يتجاهلك اليوم الكثير منهم. جفف دموعك يا صغيري آدلكان وتأكد أنهم سيعودون إليك يوما ما.

الألف مثل إيكجان:

أيكجان ليس وجبة جيدة هذا هو ما أملك أن أقوله عن هذا الحساء سيء السمعة.

الجيم مثل الجيفة:

تطلق على الميتة والشاة “غير حلال” أي الغير مذكاة حسب تعاليم الإسلام أي قطع تمام الحلقوم والودجين. يحرم الإسلام نصا لحم الخنزير و “الجيفة” وتشمل الميتة و التي لم تذك.
ما يؤرق الموريتانيين هو أن “يأكلوا غير الحلال” وبذلك تصير دماءهم غير طاهرة.
ليسق دم طاهر أراضينا….(2)

الكاف مثل الكبد:

يؤكل الكبد في مختلف الوجبات كأطاجين والمدخل، يؤكل مطبوخا ومشويا ومع البصل وصلصة الخل. كبد الإبل له مكانته الخاصة، يشوى مع السنام فتخرخ شعلة صغيرة. يمكن أن تحرق المنزل إلا أن ذلك لم يقع أبدا. شكل “الكبد والسنام” ثنائية غدت في شهرة كليلة ودمنة، قيس وليلى، لوريلل و هاردي، سدوم وديمي، جاكوب و دلافون، لاكارد وميشار . إلا أن هذا الثنائي يمتاز عن الآخرين بأنه يؤكل.

اللام مثل اللبن:

تقليديا يتغذى الناس “المحترمون” حصريا باللبن واللحم. أما الأغذية المكونة من الحبوب (ازنينه) فتشكل غذاء مؤقتا في انتطار الأحسن. يتمتع اللبن بسمعة جيدة، إنه غذاء مبارك وينسب له الكثير من القدرات التطهيرية والتنقية. هل علينا أن نستحضر هذا الدور “المطهر” لنفهم لماذا حل اللبن محل الدجاج كسعر رمزي للعناقات الخفيفة في ليالي مدننا الكبرى.

الميم مثل مار (الأرز):

إنه حاضر أمامنا، يطالعنا كل يوم تطلع فيه الشمس. لقد دخل هذه الربوع منذ أزيد من قرن عن طريق نقاط تجارة المستعمر. أظن أن موريل و بورم هو من باعنا أول كيل من الأرزمسجلا بذلك دخولنا “للنطام الإقتصادي الدولي”. لقد كان الأرز وسكر سين لوي من مرسيليا (تلجي) وقطع القماش المصبوغة بالنيلي (النيله) أكثر المنتوجات استهلاكا في هذه الربوع.

اليوم نضرب المثل فنقول “أشهر من الأرز″ . لا شك أنكم فهمتم فلا داعي لأعرفكم أكثر على هذا الرفيق الأبدي.الأرز باللحم، الأرز بالسمك، وربما الأرز بالكلام (3)

اللام مثل لا:

كل! كل!
لا! لا! يكفي ما شاء الله
قلت لك كل!
لا! لا! أقسم لقد شبعت
لا! كل…..
حوار كلاسيكي وإلزامي حسب الأعراف يدور بين المضيف وضيفه. لقد كان أكل الضيف قبل إلحاح مضيفه عدم لباقة لا تغتفر.

الشين مثل الشعير:

من أحسن الحبوب عند البداة، الذين يحقرون كل ما ليس لبنا أولحما. يمكن أن نفسر هذه الحميمية تجاه الشعير بأنه يزرع تحت نخيل واحات الصحراء والنخلة شجرة مقدسة عند البظان حتى أنه من الملاحن أن تسميها شجرة. يتشرف الشعير أيضا أنه يضم للحم الغزال المجفف في وجبة بلقمان .

الباء مثل البطاطا امبطاص:

البطاطا المقلية كانت حلما يراود الصغار. أعتقد أنه لم يعد لها نفس المذاق. ما ترون؟

الكاف مثل كنكليبه:

ما زلت أتساءل ما هي كنكليبه؟ لقد كان كتاب تعلم التهجي يزخر بلفظة كنكليبه عند حرف الكاف.

الراء مثل راديو موريتانيا:

تبدأ إذاعة موريتانيا برامج منتصف النهار عند الساعة الثانية عشر زوالا. وفي انتظارنشرة الساعة 13، والتي تتزامن مع الغداء، نستمع لبلاغات البولار لقارئها بال آمادو تيجان . من ثم صار صوت بال مرادفا للغداء عند كل الموريتانيين. قارئ نشرة مشهور اعتاد أن يقول “الأخبار بالتفصيل” أخطأ ذات يوم فقال “الأخبار في التبصيل” (التبصيل آنية الطعام). لقدأثارت سخرية شديدة ومن ثم، ومن باب الإحتياط، دأب مقدمو نشرة الساعة 13 أن يقولوا “الأخبار مفصلة”.
تنبيه، راديو موريتانيا لا تؤكل وإنما يستمع إليها.

الميم امبور صوص:

من منا لم يأكل امبور صوص؟ أنا! لقد كان الخطر عظيما عند العودة إلى المنزل، لذلك فأكل امبور صوص لا يستحق تلك المجازفة. اليوم فتشت عن امبور صوص فلم أعثر له على أثر.

التاء مثل اتاي:

يشرب.

الواو مثل الوحدة الوطنية:

لا تؤكل.

اللام مثل اللحم:

هناك عدة أصناف من اللحوم. إذا كانت اللحوم “السوداء” (الغزال، الحبارى، الظبي) باتت في خبر كان، فإن معركة ضارية تدور رحاها بين مناصري لحم الإبل ولحم البقر. وتقليديا قالوا “قل لي أي لحم تاكل أقل لك من أنت”.

آكل لحم البقر يتناسب مع المرابط المتقري القاطن في المنطقة الساحلية السودانية، أما آكل لحم الإبل فهو المحارب البدوي القاطن في الصحراء.إلا أن الأمر اليوم بات أقل تلقائية، إلا انه من المشاهد أن لحم الإبل بدأ يكسب المعركة على الأقل في المدن الكبرى.

لكن هنالك أطرافا أخرى في النزاع غير العملاقين، فالصغار لم تغمد سيوفها حتى ولو كان الضأن قد حسم معركته على حساب لحم المعز الذي بات مخصصا للمرضى، للإجهاز عليهم دون شك.
لا بد من لفتة خاصة إلى لحم العتروس، تذوقه ولو مرة في العمر. لا يذكرك بأي شيء، حتى ولو قيل أنه بطعمه ولونه وريحه لا يبعد كثيرا عن حذاء جلد خلق.
يؤكل أيضا اللحم المجفف (التيشطار) واللحم المتعفن.يتعين على دوي الشأن عند نتاولهم اللحم أن يدروا “من أين تؤكل الكتف”. وبهذا نفرق بين ذوي المروءات وعامة الناس. لكن قولوا لي، من أين تؤكل الكتف؟

الواو مثل حرف الواو:

حرف لا يحبه الموريتانيون.

السين للمجهول:

لا يسعني هنا إلا أن أوجه خاطرة عاطفية إلى كل الوجبات التي أكلتها والتي ليست لها أسماء. ربما، وللعرفان بالجميل لها، أرتب مع كتابة الدولة للحالة المدنية لتسجيلها واستخراج بطاقاتها الوطنية. ومن ثم، من يدري، فقد أتمكن من جعلهم يصوتون في الإنتخابات، أي وجباتي المجهولة الهوية.

الياء مثل يابس:

الموريتانيون يفضلون اليابس على الرطب. لماذا؟ الله أعلم.

الزاي مثل الزريك:

أصناف الزريك الأساسية (شرابنا الوطني المكون من ماء ولبن يضاف لهما السكر) ترتب حسب “الإستحقاق” أي بالنظر إلى نسبة الماء إلى اللبن، كلما كثر اللبن كلما كان الزريك أحسن. بعد الماء ياني مباشرة “الدخين” ثم “أبرغال” ف “اشنين لكدح” ثم الزريك العادي ثم “لفريك” ثم “أم نفعين”.
الزريك لا يحظى بأي أهمية والأحسن أن نقدم قدحا من اللبن وآخر من الماء فنشرب الأول أو الثاني أو الأول ثم الثاني. حاولنا لعدة سنين صناعة زريكة من كوكاكولا باللبن تدعى “ملانج” وقد بات هذا الصنف من الزريك في طي النسيان. لا أحبذ الزريك وأعتقد أنه من جانبه لا يحبني.إلا أنني أفضل عليه الشاي، ذلك الإكتشاف المهم للإنسان.

(1) تركنا ترتيب النص بدل الترتيب الأبجدي العربي بعد الترجمة
(2) تضمين بتصرف لشطر شهير من لامارسييز النشيد الوطني الفرنسي
(3) يعني جريدة القلم

- حبيب ولد محفوظ
ترجمة : صالح بن امد