الموسيقى الحسانية (أزوان)


الموسيقى الحسانية (أزوان)

الموسيقى الحسانية (أزوان)

9 تشرين الثاني (نوفمبر) 2015

ليس من السهل التأريخ للموسيقى الموريتانية وذلك لعدة أسباب وعراقيل ترتسم أمام الباحث في هذا المجال التراثي الحساني، فقد اختلف المؤرخون في ذلك لشح المراجع والتدوين ،ولكنهم يعتمدون على ما بقي من الأسر الموسيقية العريقة التي ورثت الفن عن آباء وأجداد في كل ذلك بشكل شفوي وتطبيقي.

وقد توصلت كل تلك الدراسات إلى أن ظهور هذا الفن كان مع دخول المرابطين للمنطقة وترسخت مع مجيء بني حسان بعد ذلك في القرن الخامس عشر الميلادي حيث قامت إمارات ظهر فيها من يزاولون هذا الفن ويسمون عندهم ب "إيكاون" بكاف معقودة ، ومن هذه الإمارات التي ازدهر في زمنها فن العزف والغناء إمارة أولاد أمبارك في منطقة الحوضين، وقد كان الفن الموسيقي أحد ركائزها الأساسية، فيتخذ الأمراء المغنين جلساء لهم ووسيلة إعلامية لهم في الحروب وإرساء مجد القبيلة والإمارة، فكان لتلك الإمارة الفضل الأول في إرساء دعائم هذ الفن وتطويره على الذائقة الشعبية وأغلب "الأشوار"والمعزوفات ظهرت في ذلك الزمن.

ولقد ارتبط فن الغناء عندهم بالشعر الملحون أو مايسمونه: (لغن)الذي ظل المادة الأساسية الملحنة والمغنى بها بالأساس إلى يومنا هذ.

وبعدأن نضج هذا الفن وارتسمت أسسه في منطقة الحوضين الشرقية انتقل إلى منطقة الوسط(تكانت) و"اركيبة" (لعصابه حاليا) حيث نضج أكثر ووصل مرحلة الإبداع ليصل في حركته إلى ما يسمى مصطلحا ب("الكبله" :المنطقة الجنوبية) وهناك امتدت جذوره وظهرت أسر فنية راقية جعلت منه فن مجتمع بأكمله ودولة.

ويتميز هذ الفن(أزوان) الحساني عن غيره من الفنون بكونه حكرا على شريحة معينة وهي (إيكاون)عن غيرهم.
لقد عرفت أسر كبرى زاولت الفن ودرسته وأبدعت فيه قديما كأسر(أهل انجرتو سدوم مثلا و أهل اباشه، اسماعيل مثلا وأهل سلماغة وغيرهم...إلخ ) وارتبط في تلك الآونة بالأمير وكبار الإمارة من أعيان، فالفنان يمثل عندهم الدور الإعلامي لصالح هؤلاء يشيد بمكارمهم ويعبئ لحروبهم ويشغل مجالسهم بمعزوفات ليجزلوه العطاء، وقد ظل الفن على تلك الحالة لكل إمارة فنانوها من شريحة معينة حتى بعد تفكك تلك الإمارات ،ولا يمتلك الفنان من آلات العزف إلا الآلات التقليدية( التيدنيت) أما الفنانة المرأة فهي تعزف على آلة ( آردين التقليدية) التي تختص بها عن الرجل، وقد ساهم هذا الفن حينها وإلى وقتنا هذا في الكثير من إثراء الساحة الثقافية بتاريخ الأمير والإمارات ومناقب الأعيان لارتباطه بهم عن طريق التسميات التي تطلق في غالب الأحيان على ( أشوار التيدينيت ) وهي معزوفات موزونة أو لا موزونة عزفها الفنان (إيكيو) للأمير أو غيره من أعيان القبائل، كما أن الأشعار المصاحبة لتلك المعزوفات تكشف عن تاريخ وحضارة سامقة شهدتها تلك العصور.

ولايجدر بنا في هذا المقام إلا أن نذكر بعضا من واقعها الحي الذي اتسم بشيء من الإنفتاح ومحاولة التجديد، فظهرت أسر تزاول الفن ومغنون لاينحدرون في الأصل من أسر فنية وأبدعوا فيها وأجادوا في ذلك على المستويين:الداخلي والخارجي، نذكر من ذلك مثلا (أسرة أهل أحمد لوله سيد محمد مثلا)ومن الفنانات المنحدرات أصلا من وسط غير موسيقي: (كمبان منت اعلي اوركان) وغيرها من فنانات وفنانين أجادوا في فن العزف والغناء ولم تكن لهم أصول فيه ليكسروا جزء من حاجز لطالما ظل مرتسما أمام الكثيرين ممن يمتلكون موهبة الغناء والصوت الشجي، وقد كثر هؤلاء بشكل مطرد في العقدين الأخيرين.

أما عن الإبداع المطلوب على مستوى هذا الفن فيعترضه الكثير من التحفظ لدى بعض من كبار الموسيقيين الموريتانيين، فهم يعتبرون هذ اللون الموسيقي يتميز عن غيره بخاصية الشمولية والاتساع إذ لا يمكن الحديث عن الإبداع إلا بعد الكشف التام عن خبايا الفن، ويتعصبون أكثر لهذه الفكرة فيتهمون من يطلقون على أنفسهم "مبدعون"ــ في الموسيقى الموريتانية الحسانية ويحاولون ذلك ــ بالسذاجة والعجز عن فهم الموروث الموسيقي الغني.

وممن عمل على تطوير الموسيقى الموريتانية وقال بضرورة ذلك : الفنانة العريقة المبدعة: الشيخة البرلمانية :"المعلومة منت الميداح" التي أنتجت الكثير من الأغاني المبدوع فيها تجاوب معها الكثير من الناس وخاصة شريحة الشباب التي تنفر من كل ما هو عتيق لتلحق بالجديد مهما كان، ولكن الفنانة "المعلومة" في ذلك كله لم تخرج عن طابع السلم الترتيبي الحساني القديم مع الالتزام بالمقامات وماتقتضيه، وقد شاركت في الكثير من المهرجانات الدولية واللقاءات الموسيقية ونالت بذلك جوائز جزيلة على الأداء الجميل.

كما أنه أيضا من جيل السبعينات ظهرت هنالك توجهات جديدة في نفس المنحى قادتها وجوه موسيقية منها من نجح في توجهاته وأدائه مثال :"محجوبه بنت الميداح" رحمها الله،و:"الحضرامي بن الميداح، و:"بتي بنت الشويخ" والفنانة المقتدرة :"ديمي بنت آبه".

وغير هؤلاء ممن نالوا جوائز وطنية ودولية في جودة الأداء ورقيه،وحازوا استحسان العلماء في هذا المجال.
وفي العصر الحالي برزت وجوه شابة تجنح في توجهاتها إلى الكثير من محاولات الإبداع والتطوير للموسيقى والتعريف بكامنها عالميا، ويعد الموسيقار الكبير والملحن :"عرفات بن الميداح" من أبرز تلك الوجوه التي لمست ذوق الطبقات الشبابية، ولقيت معزوفاته وتلاحينه رواجا واسعا حتى لدى الموسيقيين أنفسهم.

ومن هذه الطبقة أيضا الفنانة الشابة :"منى منت دندني" التي نالت إعجاب الكثيرين من رواد الموسيقى في الداخل والخارج من خلال مشاركاتها التي تميزت في كل من تونس ومصر وغيرهما، ولا نستطيع أن نستوفي تعداد هؤلاء ممن أجادوا في فن التطوير في الموسيقى الحسانية وحازوا المراتب العليا فيه، وبالتالي سنكتفي بذالك القدر منهم.
كما أنه أيضا ومحاولة لنفض الغبار عن هذا الفن نُظِمت مسابقات وطنية كبرى في هذا المجال ظهر فيها شباب يتمسك بالأصالة في الفن مع روح الإبداع والقدرة عليه، كما هو الحال في المسابقة الكبرى والأولى من نوعها في البلاد :"النغمة الذهبية" التي حصلت على لقبها في النسخة الأولى:2010 الفنانة الشابة :"كرمي منت سيداتي ول آبه ".

أما عن العوائق الفعلية التي مازالت تعترض طريق هذا الفن نحو التطوير والإبداع المطلوبين في عصر يفرض متطلباته على كل الفنون لتسير بالسرعة والتسارع المطلوبين أو لتبقى في الحضيض الذي قد لا تكون تستحقه، فسنورد بعضا من المسوغات التي تجعل هذا الفن يتخلف عن غيره في تلك البلاد وفي غيرها، وتنحصر أساسا في النقطتين الأخيرتين :
*- غياب التمويلات والإستثمارات في هذا المجال من طرف رجال الأعمال والمعنيين وهو عائق يرتسم أمام تطور هذا الفن وظهوره على العالم، فالفنان في إنتاجاته الموسيقية لا يعتمد إلا على ما تدره عليه وظيفته في المجتمع وهي إنعاش الحفلات الاجتماعية والسياسية وغيرها.

*- كذلك غياب المحطات الإعلامية والمدارس العصرية والشهادات الدراسية في هذا المجال أمر يجعل الفنان الموريتاني وإن قويت موهبته فإنه لا يتمتع بدليل قانوني من مدرسة تسلك منهجا بيداغوجيا في المسألة، هذا إذا استثنينا بعضا من المحاولات التي تتمثل في معاهد أومدارس صغيرة بدأت في الظهور وبشكل خافت في السنوات الأخيرة تفتقر إلى الدعم.

خاتمة

هذه ورقة تنظيرية موجزة في مجال الموسيقى الحسانية الموريتانية التي طالما استهوت الكثير من الباحثين لوفرة المكامن وتنوع المضامين، ولكنها على الرغم من ذلك كله ظلت مطمورة عن العالم الآخر في شكل بيداغوجي ومنهجي على غرار الموسيقى العالمية، أما على مستوى الأداء الفني فقد ظلت إبداعاتها مستمرة مع كوكبة من الفنانين المبدعين جعلوا منها تراثا عريقا بين مجتمع البيظان ليكون بذلك قد اكتفى ذاتيا بما لديه من موروث موسيقى، ولا يفوتني في هذا المقام إلا أن أتوجه إلى المتخصصين في هذا المجال من كل الأعمار والأقطار أن يلتفتوا قليلا إلى ما فاتهم من عوالم موسيقية وإبداعات تأسر القلوب ستضيع أدراج الريح إذا لم تدون بلغة ومنهج قويم يسمح بتناقلها عبر الأجيال.

محمد فال ولد سيدنا