المسرح الموريتاني.. التاريخ والتأسيس


المسرح الموريتاني.. التاريخ والتأسيس

المسرح الموريتاني.. التاريخ والتأسيس

9 تشرين الثاني (نوفمبر) 2015

يمر المجتمع الموريتاني بتحولات إجتماعية سياسية ثقافية كبيرة وكغيره من الشعوب عرف الموريتانييون المسرح كغيره من الفنون مع بداية تأسيس الدولة الوطنية . وقد مر بمراحل ومعوقات سنحاول التطرق لها في هذه الإطلالة سنرفع الستار عن تأسيس المسرح في موريتانيا وازمة وجوده في مجتمع يحمل ثقافة شفوية ظل وفيا لها وليست له تقاليد راسخة مع فن التشخيص والفرجة

بداية التأسيس:

عرف الموريتانيون قبل الإستقلال نمط واحد من فنون الفرجة وهو الرقص على إيقاع الطبول في المناسبات التي تتطلب الترفيه وهي أيام استثنائية ترتبط بالأعياد الدينية ( العيد الكبير ، الفطر، المولد ) والمناسبات الإجتماعية ...... مع وجود ثقافة موسيقية متأصة وانتشار المديح النبوي الشريف واشتهر مداحون على مر العصور والمداح يشبه في أداءه طريقة الحكواة المعروف في المشرق العربي

وفي أواخر الخمسينات من القرن العشرين ( 1958م) قبل الإستقلال بعامين ظهرت اول فرقة مسرحية موريتانية ( الكيكوطية) برئاسة الملك همام افال ويمكن اعتباره الأب المؤسس للمسرح الموريتاني ، وكانت فرقة الكيكوطية فرقة ترفيهية تقدم اسكتشات كوميدية لترفيه كبار الموظفين انذاك وكانت بداية لفن التشخيص في البلاد ، وظهر بعد ذالك مجموعة متمسرحين يمكن أن يطلق عليهم جيل الرواد من امثال: محمد ولد ممين ، والكاتب محمد فال ولد عبد الرحمن ومحمد ولد مسعود ،،

وقد كانت هده البدايات تعتمد أساسا علي تمثيل النص دون مراعاة للحركة وهذا أمر يعزي الي عدم وجود متخصصين حينها مع ان البلاد في فترة السبعينات كانت تعيش طفرة فنية تكللت بإنشاء الفرقة الوطنية للفنون وقد كانت تتركز أنشطتها علي الموسيقي والرقص ، رغم مشاركتها في مهرجانات دولية لم يكن الفن المسرحي من أولوياتها حيث لم تفد الدولة الموريتانية طلابا للخارج لتلقي دورات تكوينية والإستزادة من هذا الفن ،،

وإذا كان الجيل الأول من المسرحين الموريتانيين قد اعتمد علي تشخيص النصوص دون ترجمتها ميزانسينيا وحركيا ، علي الرغم من أن الحركة المسرحية كانت منتشرة لدي الفرنسيين في البلاد قبل الإستقلال إلا أن جيل الرواد لم يستفد من ذالك بأي حال من الأحوال بل اكتفوا بقراءة نصوص ادرامية وتمثيلها لغويا وحواريا وذالك دون تحويلها الي عروض ركحية أو سنوغرافية(2)

ويأتي الجيل الثاني من المسرحيين الموريتانيين مع بداية الثمانينيات من القرن العشرين في فترة الحكم العسكري للبلاد وكان العمل المسرحي يخضع للرقابة كغيره من الفنون , ولقد قدم هذا الجيل أعمالا مسرحية تميل إلي الأسس المتعارف عليها فنيا من خلال تشخيص النصوص المسرحية وترجمتها إلي حركات ولوحات فنية فوق الخشبة . و جيل الثمانينيات أو ما اصطلح عليه بالجيل الثاني للمسرح كان بقيادة : محمد الأمين ولد عداه . وقد امتازت فترة هذا الجيل بإعتماد النصوص المسرحية الوطنية لأول مرة وقد كان من أبرز كتاب المسرح في تلك الحقبة الكاتب / محمد فال ولد عبد الرحمن وقد تميزت كذالك بتقديم النص المسرحي علي أسس علمية علي عكس ما كان سائدا في السابق ( حركات محسوبة ، ديكور ، أكسسوار ، إضاءة ، موسيقي....) ومن أبرز الجمعيات والروابط والفرق المسرحية في تلك الفترة جمعيات( غرناطة، المرابطون ، الرسالة ، شنقيط ، وهي إحدي كبريات الجمعيات المسرحية الموريتانية وأكثرها صيتا وعطاءا بالإضافة إلي فرق الخلاص والمسرح الطلائعي والأصالة والأصابع والمرأة ,,.....)

وفي منتصف الثمانينيات شكلت هذه المجموعة ما عرف بالإتحاد الوطني لمسرح الهواة وقد مثل هذا الإتحاد الحقبة المضيئة في تاريخ المسرح الوطني أنذاك وذالك لكثرة أعماله في داخل البلاد وامتداد عطاءه إلي خارج البلاد بمشاركته في مهرجانات دولية وإقليمية ( كمهرجان قرطاج ، ومهرجان مونستير ، ومهرجان أبي رقراق ومهرجان المسرح لفرنك افوني في أبدجان ومهرجان يوم الطالب الليبي...)

لكن هذا الإتحاد عصفت به عوائق وعراقيل عدة أدت إلي أن يسدل الستار علي إبداعاته المسرحية مما أدي إلي تفكيك الإتحاد الوطني لمسرح الهواة رسميا سنة 1988م .

وأدي هذا التفكك إلي ظهور بعض الفرق المسرحية التي حاولت سد الفراغ الذي تركه غياب الإتحاد الوطني لمسرح الهواة وقد كان أبرز هذه الفرق المجموعة التي نشطت البرنامج التلفزيوني الناجح (ش الوح افش) حيث كان أبرز ممثليه عطاءا أعضاءا في الإتحاد الوطني لمسرح الهواة وقد برعوا في أداء أدوارهم التي كانت نقدا لاذعا للواقع الأجتماعي والسياسي للبلاد بطريقة فكاهية ونذكر منهم علي سبيل المثال لا الحصر عبد الباقي ولد محمد وعبد الرحمن و لد أحمد سالم (أحمد طوطو) حيث ربط هذا البرنامج الموريتانيين بالتلفزيون الوطني لكن حماسهم وجماهيرية برنامجهم ( ش الوح افش ) جعلتهم يجتازون حاجز الحرية المتاحة من حكام البلاد أنذاك فأدي إلي وقف البرنامج التلفزيوني الشهير .
عرفت الساحة المسرحية الموريتانية ظهور فرقة المسرح الشعبي في بداية التسعينات من القرن العشرين سنة 1990م
التي أسسها وأدارها المخرج : أحمد ولد محمد الأمين وهو نفسه مخرج البرنامج التلفزيوني ش الوح افش
ولقد اعتمدت فرقة المسرح الشعبي في أداءها علي كوميديا الموقف وقدرة ممثليها علي التقليد والمحاكاة دون التقيد بالضوابط الفنية المتعارف عليها , ومع ذالك كان لظهور فرقة المسرح الشعبي دورا بارزا وهاما في ربط الموريتانيين بالمسرح وبفن التمثيل بصفة عامة حيث سدت فرقة المسرح الشعبي الفراغ , ورغم شعبيتها الطاغية فإن المسرح الموريتاني أنذاك كان يفتقد الإحترافية والقدرة الأكاديمية

غير أن منتصف التسعينات 1996م من القرن العشرين ستعرف موريتانيا طاقات مسرحية ابداعية واعدة جديدة ستقود المسرح الموريتاني نحو مناحى التأسيس والهوية والتميز والإبداع فظهر ما يسمي بالمسرح الإحترافي وممارسة فن المسرح علي أسس الدراسة والعلم .

بالإضافة إلي ظهور جمعيات وروابط وأندية شبابية ساهمت في إنعاش خشبة المسرح الوطني ومن أهم هذه الجمعيات التي حملت مشعل الإبداع المسرحي: المخضرمون ،، النجوم ،، التضامن ،، الآفاق ،، الإبداع،، التحدي الثقافي،، رابطة المواهب ،، رابطة تواصل ، التي كان لها السبق والتخصص والتميز في المسرح من بين هذه الجمعيات والروابط والأندية الشبابية ويكفي رابطة تواصل فخرا أنها حافظت وحضنت بيضة المسرح الوطني وكانت النواة لفرقة المسرح الجديد الذي قاده وأطره المخرجان: باب ولد ميني والتقي ولد عبد الحي وتميزت هذه الحقبة بإبداعات الفنان المسرحي المتميز بونه ولد
اميده ورفاقه(3)

مع وجود حركة مسرحية في مقاطعات العاصمة انواكشوط يأطرها شباب آمنوا برسالة المسرح الخالدة وهنا تجدر الإشارة إلي الفنان المخرج محمد سالم ولد أخليه الذي عرفته عاشقا ومريدا لخشبات أبو الفنون متنقلا بين مقاطعات العاصمة مبشرا بمسرح موريتاني جديد,

وفي بعض ولايات الوطن وخصوصا في ولاية داخلت انواذيبو حيث تميزت رابطة القدس التي كانت لها صولات وجولات علي خشبة المسرح البلدي بالمدينة ونذكر من رواد المسرح في ولاية داخلت انواذيب الذين أسهموا في إثراء العمل المسرحي هناك علي سبيل المثال لا الحصر : سيد محمد ولد اوداعه ’ يحي ولد الدده ...الخ

وفي السنوات الأخيرة عرف المسرح الوطني طفرة نوعية مع إنطلاقة المهرجان الوطني للمسرح المدرسي سنة 2011م وكانت الإنطلاقة الحقيقية لإخراج المسرح من أزمة التأسيس التي ظل يتخبط فيها حيث كانت دائما معضلة الإستمرارية والتواصل بين الأجيال تقف حجر عثرة أمام تطويره

ومنذ انطلاقة هذا المهرجان الذي تنظمه جمعية المسرحيين الموريتانيين وبدعم من الهيئة العربية للمسرح عرف الفن الرابع في موريتانيا انتشارا منقطع النظير واهتماما من الشباب

ورغم كل هذه النشاطات المذكورة سلفا ما زال المسرح الموريتاني في طورالتأسيس ويعاني من عدة صعوبات وعراقيل تواجه مسيرته الإبداعية

المخرج المسرحي إبراهيم ولد سمير