موريتانيا... جغرافيا الوثائقي بامتياز


 موريتانيا... جغرافيا الوثائقي بامتياز

موريتانيا... جغرافيا الوثائقي بامتياز

1 تشرين الثاني (نوفمبر) 2015

في غرب إفريقيا تقع موريتانيا أو "بلاد شنقيط" لتنفتح على شمس تغرب في قلب المحيط الأطلسي وتعكس صورا جميلة ونادرة. البعض يعتبرها صورا فولكلورية لا تصلح إلا للبطاقات البريدية والبعض الآخر وظفها في شكل صور سينمائية فاعلة. تغرق الشمس في قلب المحيط حاملة معها أتعاب المبدعين الموريتانيين لتشرق في الغد من جديد وتولد أحلامهم المشروعة التي تقوّيها حُرقة العشق السينمائي.

الإبداع المهمّش والسينما المنسيّة...

شهدت الممارسة السينمائية في موريتانيا انطلاقا من العقد الماضي نهضة حقيقية من خلال تحرّكات عشاق السينما في هذا البلد الذي لا يحمل تقاليد سينمائية كبيرة في نظر الكثيرين. ويعود غياب الفعل السينمائي إلى عوائق وإكراهات شهدتها الساحة الثقافية بموريتانيا وذلك من خلال عدم إيلاء السياسات السابقة للفن السينمائي ما يستحقه من مكانة في مشهد ثقافي موريتاني اتسم بمبادرات فردية والاعتماد على الغرب الحاضن.

ترجع بدايات الحركة السينمائية في موريتانيا إلى سبعينيات القرن الماضي من خلال التجربة الطلائعية للمخرج "همام أفال" الذي أنتج بعض التسجيلات على غرار "تيرجيت"، و"ميمونة"، و"بدوي في الحضر" بالإضافة إلى اهتمامه بالقاعات السينمائية ومحاولة إنبات ثقافة سينمائية.

كما يمكننا أن نذكر تجربة المخرج الموريتاني محمد هندو الذي ينحدر من أب موريتاني وأم مالية والمقيم في فرنسا، حيث تحصّل على جائزة التانيت الذهبي لأيام قرطاج السينمائية سنة 1974 بفيلمه "عمال عبيد". غير أنّ تجربة هنيدو كانت بمثابة الصورة الخارجة من الجغرافيا الموريتانية باعتباره سينمائيا مهاجرا.

أما عبد الرحمان سيساكو، الذي درس السينما في الاتحاد السوفياتي، فقد برز في أواخر الثمانينيات وأنتج أفلاما سينمائية نال بها جوائز عالمية مثل مهرجان كان وأيام قرطاج السينمائية ومهرجان واغادوغو.... كما تحصل على جائزة مهرجان السينما الإفريقية بميلانو من خلال فيلمه الوثائقي "من روستوف إلى لواندا"، وأفلام أخرى رسم بها طابعا خاصا وهوية سينمائية ذاتية مثل فيلم "في انتظار السعادة" و"باماكو"، غير أنّ سيساكو الذي ينحدر بدوره من أصول موريتانية ومالية استقرّ بدوره بفرنسا.

لم تظهر على الساحة الموريتانية أسماء كبيرة بخلاف بعض المخرجين الذين تركوا بصماتهم مثل الذين سبق ذكرهم بالإضافة إلى سوخنا وعبد العزيز أحمد محمد الحسن الذي تميّز بإخراجه للوثائقيات.

وعلى خلاف ظاهرة الاغتراب الذي جعل العديد من مخرجي السينما في موريتانيا يختارون الاستقرار في الخارج بعيدا عن صعوبات الحياة الثقافية في البلد، فإنّ المخرج عبد الرحمان أحمد سالم خيّر دراسة السينما بفرنسا ثم العودة. وقد تمكن أحمد سالم (أحمد طوطو) أن يؤسس سنة 2002 هيكلا يهتم بتنمية الثقافة السينمائية في موريتانيا أطلق عليه اسم "دار السينمائيين الموريتانيين"، وقذ ساهمت هذه الدار في تدريس السينما للشباب المتعطش لسحر الصورة وتكوينهم عبر دورات تعليمية وإنتاج الأفلام. كما أنّها ركزت على عروض الساحات وعروض القوافل السينمائية لنشر السينما في الجغرافيا الموريتانية. وقد شهد العقد الماضي ظهور سينمائيين شباب مثل كريم مسكه والشيخ فال وسالم داندو ومحمد ولد إيدومو والسالمة منت الشيخ الوالي وعزيزة كابر...
على مرّ تاريخها برهنت السينما في موريتانيا أنها سينما وثائقية أو لا تكون، حيث تعددت الإنتاجات الوثائقية المحلية، كما أنّ الحركة السينمائية التي أرستها دار السينمائيين الموريتانيين جعل الشباب الموريتاني يهتمّ أساس بالسينما الوثائقية نظرا للاقتصاد الإنتاجي من جهة ولثراء الحياة اليومية الموريتانية بمواضيع تستحق التوثيق، ويمكن أن نذكر أفلاما مثل "القلب النابض" و"الهروب" لسالم ولد داندو و"العالم الصغير" لمحمد إيدومو و"المؤمنة" لـ باكة صامب فال...
بالرغم من أنّ 80 بالمائة من الأراضي الموريتانية هي أراض صحراوية بالأساس فإنّ تعدد المناظر الطبيعية والتعدد الثقافي والتاريخ العريق والحياة الاجتماعية بطابع خاص جعل من الأرض الموريتانية فضاء للتصوير الوثائقي لما تكتنزه من مواضيع وثائقية هامة، حيث تمّ تصوير الكثير من الوثائقيات الفرنسية والألمانية والبلجيكية والسويسرية ونذكر خاصة الفيلم الوثائقي للوسيل موسايي"من الرمل إلى الإسفلت"ووثائقيات المخرج الفرنسي بيار إيف فانديويرد...

مهرجان نواكشوط للفيلم القصير من 23 إلى 29 أكتوبر

تواصل دار السينمائيين الموريتانيين محاولة النهوض بالحركة السينمائية حيث تنظم الدورة السابعة لمهرجان نواكشوط للفيلم القصير في الفترة الفاصلة بين 23 و29 أكتوبر تحت شعار "نظرة إلى الأفق" وذلك بفضاء "التنوع البيئي".

وستفتتح هذه التظاهرة من خلال ثلاثة معارض، يتعنون الأول تحت اسم "وجوه كبرى من السينما الإفريقية وسينما الكراييب" أما الثاني فيحمل تسمية "الجيل" حيث يهتم بوجوه من الجيل السينمائي الموريتاني الجديد، أما المعرض الثالث فيحمل عنوان " موريتانيا... نظرة جديدة". ويشارك في هذه الدورة العديد من الأفلام والوثائقيات من موريتانيا والمغرب وتونس ولبنان وفرنسا... كما تقام، موازاة مع أيام المهرجان، ورشات تهتم بالسيناريو والإخراج والتأطير والمونتاج يؤمنها مختصّون من الخارج.

يبقى هذا المهرجان نقطة ضوء في بلد يحتوي على قاعة سينما وحيدة، حيث تحاول ثلة من المثقفين والسينمائيين الغيورين، الذين خيّروا الاستقرار ببلدهم وصناعة السينما بإمكانيات مادية لا تفي بالغرض، أن يؤسسوا مشروعا فكريا حقيقيا. إلا أنّ السينما بقيت مهمّشة في هذا البلد على مدى سنين طويلة كما أنّ كاميرا الآخر الأجنبي ركّزت بدورها على سينما الهامش. وقد تكون هذه الحركة السينمائية الحديثة التي تشكلت ملامحها مع بداية هذه الألفية، بمثابة البداية الفعلية لتأسيس سينما موريتانية حقيقية واستثمار الجغرافيا المنسية وسط تحديات متعددة باعتبار أنّ الكثبان الرملية لا تمنع من هبوب رياح التصحّر الثقافي.

وسيم القربي

المصدر : الجزيرة

تاريخ النشر: 01‏/11‏/2012