Logo
تابعونا على

"آزوكي" عاصمة المرابطين النائمة تحت الرمال

على كتف سلسلة جبال آدرار، وعلى بعد 8 كيلومترات شمال مدينة أطار 450 كلم شمال نواكشوط، تنام أطلال مدينة آزوكي، العاصمة الثانية لدولة المرابطين، التي انطلقت منها طلائع جيوشها من صحراء موريتانيا.

بين جبلين تقع المدينة الغافية تحت الرمال المتواشجة مع صخور آدرار (التي تعني الجبل)، وهي مدينة ما زالت بحاجة إلى تنقيبات كبيرة لكي يحاور تاريخها ويستنطق، ولم تزل بكرا، لم تطمسها مقالع الأركيولوجيين الفضوليين.

تواجهك وأنت تدلف إلى موقع المدينة لوحة علقت على بوابة القلعة التي كانت تصد الأعداء، كتب عليها: بخط نسخ مشرقي متقن، موقع آزوكي الأثري وهذه اللوحة تذكرك بأنك في مكان غير اعتيادي، فهو ليس مهما على المستوى المحلي فقط، وإنما هو إرث لأبناء المغرب العربي بصفة عامة.

والخط المشرقي على اللوحة يبدو نشازا في منطقة شهدت سيادة للخط المغربي الذي يمت بصلة قرابة إلى أصعب الخطوط العربية (الخط الكوفي).

وتواصل اللوحة لتقول إن البكري قال إنها كانت تحوي عشرين ألف نخلة، وإن الإدريسي وصفها بأنها أول مراقي الصحراء، قبل أن تلفتنا إلى أن رحالين فرنسيين وأوروبيين زاروها ورسموا خرائط لها.

قطع الفخار المتكسرة

لم تبق الرمال والصخور التي اشتغلت على مدى تسعة قرون من مدينة المرابطين غير بقايا القلعة، التي يعرفها الساكنة المحليون بالقصبة، وهي حسب ما يتراءى للزائر بقايا السور الواقي الذي كان يحيط بالمدينة، وكان يحيط منازل متعددة ودارا للحكم ومكاتب للقضاء إضافة إلى المسجد الذي دفن بجانبه قاضي المدينة والشخصية الأبرز الإمام الحضرمي، لكن ركام الحجارة المتحالف مع الرمال أصر على أن يخفي عن الأنظار حضارة لم ينقب عنها أبناؤها حق التنقيب.

واسطة العقد في المدينة - اللغز، هو قبر العلامة محمد بن الحسن المرادي الحضرمي، الذي كان قاضي المرابطين في الصحراء، وأحد العلماء القلائل المهتمين بعلم الأحكام السلطانية، والذي ألف كتابه الشهير الإشارة في تدبير الإمارة.

المدينة التي يعني اسمها باللغة الصنهاجية في أحد تفسيراته، قطع الفخار المتكسرة، ظلت وفية للاسم، فقطع الفخار الذي كان الأوائل يصنعون منه أوانيهم لا تزال تتناثر في فوضى في المكان.

لكن آزوكي، ومنذ النشأة، ظلت وفية أيضا للتفسير الثاني لاسمها الذي يعني المتابة، أي مكان التوبة، فقد بنيت الدولة المرابطية على التوبة إلى الله، وكان أول محضن لها هو الرباط، حيث صحح الصنهاجيون علاقتهم مع ربهم وانطلقوا يفتحون البلاد باسم الله.

الرؤيا العجيبة

يحتفظ سكان آدرار (الولاية التي تقع فيها المدينة) خصوصا والموريتانيون عموما بمزيد الإجلال والتقدير للحضرمي، الذي ينام في حرم مسجد آزوكي الأثري، وتعتبر زيارته بندا رئيسيا في جدول أعمال أي زائر لمدينة أطار.

غير أن طريقة اكتشاف قبر الرجل كانت عجائبية، فقد كان اسم الرجل حبيس النسيان، قبل أن يحييه قبل ثلاثة قرون أحد مشايخ المنطقة، الذي قال إنه هداه في المنام إلى موضع قبره.

وجابه الفقهاء مزاعم محمد بن أحمد بن حسين المعروف باسم الإمام المجذوب الذي ادعى أن الإمام الحضرمي كان يملي عليه كتبه وفتاواه في المنام وأنه لم يكن يقطع أمرا دون مشورته، ورغم المعارضة والنقد الحاد الذي قوبل به المجذوب إلا أن صورة الحضرمي لم تهتز عن مكانها، وما زال الموريتانيون يذكرون اسمه مصحوبا بالكثير من الإجلال.

يعتقد أن الإمام الحضرمي نزح من الأندلس، التي كان طيلة مقامه فيها يجابه ملوك الطوائف، الذين أخلدوا إلى الهجوم على بعضهم، في حين أن أعداءهم الإسبان وحدوا جهودهم وانقضوا على ملوك الأندلس المتصارعين، كما ينقل ابن بسام الشنتمري (نسبة إلى مدينة سانتا ماريا بالأندلس) في كتابه الذخيرة في محاسن الجزيرة.

والتحق الرجل بدولة المرابطين الوليدة في الصحراء، والتي تحتفظ بحماسة كبيرة للإسلام، وغيرة عليه، تجلت في إنجاد أميرها الثاني يوسف بن تاشفين للإخوة في العدوة القصوى، وقتاله معهم دفاعا عن حياض الإسلام، مما جعل المرابطين يحظون بشرف أن يمدوا في عمر الإسلام في الأندلس قرونا أربعة، ووضعوا حدا لدويلات الطوائف الأولى، قبل أن تعود ظاهرة دويلات الطوائف في مرحلتها الثانية والقاتلة بعيد انهزام دولة الموحدين التي بنيت على أنقاض المرابطين في معركة العقاب الشهيرة.

المعلم الثاني

يعد الحضرمي أحد أهم أقطاب المدرسة الأشعرية في منطقة المغرب العربي، ولم يلبث أن أصبح المعلم الثاني للحركة المرابطية بعد الشيخ عبد الله بن ياسين الجزولي.

غير أن المصادر التاريخية تغفل الكثير عن حياته في الصحراء، ربما في انعكاس لاهتمام المؤرخين بالطرف الشمالي من الدولة المرابطية وتناسيهم الكلي للدولة المرابطية في الصحراء التي قادها أبو بكر بن عمر وأبناؤه، والتي بقيت قرونا بعد سقوط شقيقتها الشمالية.

وهكذا لم يصلنا عنه سوى أنه أقام في المدينة يعلم الناس دينهم، ويفصل بينهم في منازعاتهم، وأنه مع ذلك مارس الدعوة والجهاد ضد القبائل الوثنية التي كانت تسكن المنطقة مثل قبائل النمادي وشعب البافور الذي يعد أكثر الشعوب التي سكنت موريتانيا غموضا نظراً لقدم تواجده، إضافة إلى الممالك الوثنية التي صارت فيما بعد جزءاً من الدولة المرابطية الجنوبية.

وفي عام 589ه، 1193م توفي الرجل، متأثرا بجروح خطيرة أصابته في معركة مع قبائل البافور الوثنية الشرسة التي كانت تستعمل الكلاب المروضة في حروبها، فيما تحكي رواية أخرى أنه مات ميتة طبيعية.

ثم غمر النسيان الرجل ومدينته التي فقدت مكانتها عاصمة للدولة مع بناء مدينة مراكش من طرف يوسف بن تاشفين.

ورغم السنين ما زالت آزوكي تحتفظ للإمام الحضرمي بعاطفة جياشة، ويعتبر قبره من أهم المزارات في الولاية والبلاد، كما تتناقل الروايات الشعبية الكثير من قصصه وقصص مريديه.

المدينة العامرة ذات القلاع التي كانت إحدى حواضر الإسلام الكبيرة في غربه، تحولت في القرن الحادي والعشرين إلى قرية صغيرة لا يصل سكانها إلى 400 نسمة، لكنهم يعون جميعا جلال المكان، الذي يعيشون فيه.

مبنى القصبة

مبنى القصبة الذي لا تتعدى مساحته 150 مترا مربعا، أحد شواهد المدينة التاريخية، وكذلك أكوام من الحجارة المتناثرة في كل مكان والتي يمكن لغير المتخصص أن يستنتج منها أن هذا المكان كان يوما ما مدينة عامرة لكن القرون التسعة الماضية كانت كفيلة بطمر المدينة ومعالمها خاصة بعد أن تحول مركز الحياة والدورة الاقتصادية والثقافية إلى أماكن أخرى، فهجر الإنسان، إلا قليلا، مرابع آزوكي مؤكدا فرضية موت المدن مهما كان شأنها.

وكانت الحفريات القليلة التي تم القيام بها في محيط المكان قبل أن تتوقف قد كشفت بأدلة ملموسة عن بقايا مدينة آزوكي فحددت جدران بعض المنازل والأبنية، وأمكن تخيل بعض نمطها العمراني في مرحلتها الأخيرة على الأقل.

وتحتاج مدينة آزوكي الآن أكثر من أي وقت مضى إلى العناية بآثارها، وتحتاج أيضا لترميم قصبتها الآيلة للسقوط بفعل عوادي الزمن، كما تحتاج بصفة ملحة إلى عمليات تنقيب منهجية عن منازلها المطمورة تحت الرمال، لتتم استعادة جزء من الذاكرة المرابطية والموريتانية المطمورة تحت الأرض.. فهل تجد آزوكي أو آثارها على الأصح صدى لاستغاثتها التي تطلقها آثارها ويرددها تاريخها؟

وآزوكي ليست أطلال مدينة عظيمة فقط. بل إن المنطقة بواحات النخيل فيها وبالمناظر الطبيعية الخلابة جبالا وحجارة.. سفوحا ومنحدرات.. أصبحت محط اهتمام من طرف السياح الأجانب وخصوصا القادمين من أوروبا وهم السياح حيث يحرصون على زيارة آثار المدينة المرابطية القديمة والتجول في المنطقة التي انطلق منها فتح هبت رياحه على بلادهم قبل قرون.

المصدر : مركز الخليج للدراسات